المثقفون المأجورون :
حصان طروادة في حصون العالم العربي
كشفت الحرب اللبنانية الصهيونية الأخيرة، عن عمق الأزمة التي يعيشها العالم العربي من الماء إلى الماء، ولعل من أبرز مظاهر هذه الأزمة تهلهل الثوابت التي كان كل العرب يجمعون عليها، ولو أن البعض كان يفعل ذلك تقية ونفاقا في مرحلة المد الثوري العربي، حين كان الإجماع على حق الفلسطينيين واللبنانيين في حمل السلاح ومقاومة المحتل حقا بعيدا عن أي نقاش علني، ويفهم من هذا التهلهل على أنه اختراق نفسي للشعوب العربية من طرف الغرب بعد سلسلة الهزائم المتتالية التي مني بها العالم العربي بدءا من سنة1967م مرورا بسقوط بيروت أمام العدو الصهيوني سنة1982 ،انتهاءا بحصار العراق وليبيا والسودان ثم غزو العراق عام 2003م، ومن مظاهر هذا التهلهل الذي تحدثت عنه في صدرهذه المقالة ذلك الشرخ العميق الذي حدث في صفوف الرأي العام العربي بخصوص ما يجري في العراق، حتى لم يعد المرء يدهش لما يسمع نخبة من الشعراء والكتاب، عن جهل أو تجاهل، وهم يقولون إن ما جرى للرئيس العراقي الشرعي صدام حسين من إهانة أمر مقبول ومبرر بحجة ديكتاتورية النظام، والأنكى من ذلك أن منهم من يعتبر الذين يقاومون مجرد أفراد يقاتلون من أجل امتيازاتهم التي فقدوها بزوال النظام البعثي، متناسين أن فصائل المقاومة العراقية التي تنفذ هجوما واحدا كل ثلاثين دقيقة على القوات الأمريكية، يبلغ تعدادها ثلاثا وثلاثين فصيلا وتتكون من بعثيين وشيوعيين وأكراد وسنة وشيعة وآشوريين وتركمان.
فكيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من تشرذم وانحلال في المواقف اتجاه ما يجري على الأرض العربية من كوارث؟ حتى صار من أبناء جلدتنا من يؤيد الاحتلال الأجنبي وينتصرللعدو و يبشر به، منذ متى كان بيننا من يشكك في أمرالمقاومة ويشتم زعماءها ويسفه أحلامها إلا متسترا أو من وراء ستار ؟
منذ متى؟
اختراق نفسي:
ومرد الأمر ذلكالاختراق النفسي الخطير الذي حدث في الوعي السياسي العربي وكان بطله السادات ووقائعه زيارته الشهيرة لمدينة القدس وهي تحت الاحتلال الصهيوني، وبعدها خطابه التاريخي أمام الكنيست الإسرائيلي، وجاءت بعده وسائل الإعلام التي أخذت تكرر بلا هوادة كل يوم كلمة السلام في شاشات التلفزة وصفحات الجرائد والمجلات العربية حتى سكنت العقول واستقرت في النفوس، والشيء إذا تكرر تقرر كما تقول العرب، وكان هذا ثاني اختراق نفسي كانت وراءه وسائل الإعلام وليس السياسة وشؤون الحكم كما هو الشأن بالنسبة للاختراق الأول، وكان للصحافة المكتوبة النصيب الأوفر في حدوث هذا الاختراق الذي تأمله أمريكا ووراءها الغرب كله، لاحظ مثلا أن البترودولارالعربي أسس يومية ناطقة باللسان العربي في قلب عاصمة الضباب في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وخلعوا عليها اسم الشرق الأوسط ، عوض الشرق العربي الخالي من دولة تسمى إسرائيل، لاحظ أنه شرق أوسط وليس شرقا عربيا، هذه العبارة التي تقرأ كل يوم ملايين المرات في أكشاك الجرائد ويتلقفها القراء دون القيام بعملية تأويل وإمعان نظر فيما ينطوي عليه من إيديولوجيا، فيسهل على هذه العبارة، التي تأخذ لبوس مفهوم سياسي كما تلبس لبوس تحديد جغرافي وتاريخي أيضا، أن تتغلغل في لا وعي المتلقي العربي ويستقر فيه كما أريد له من طرف الصهيونية والامبريالية وأذنابهما من الأنظمة الرجعية والعميلة.
وفوق كل هذا، أسس البيترودولار العربي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وفي عاصمة الضباب دائما، قناة فضائية هي ال م بي سي ، وتناسلت بعدها قنوات فضائية أخرى من بلاد أوروبا ولبنان ومصر وشمال إفريقيا، وهو ما شكل اختراقا ثالثا للوعي الجمعي العربي، بسبب نوعية البرامج التي تقدمها هذه الفضائحيات من رقص هابط و خطاب سياسي مبتذل وجرعات غنائية تستفز الغرائز الجنسية عند المتلقي في بعدها البهيمي، كما تحتل المسلسلات والأفلام السينيمائية الأمريكية مساحة هامة من ساعات بثها، وكانت النتيجة أن هذا الاختراق مس الناشئة العربية وقد تأمرك نمط عيشها كما تأمرك سلوكها باكتساب هذه الناشئة الجانب المظلم من السلوك الفردي الأمريكي القائم على الأنانية وحب الذات واتباع النهج الفردي الاستهلاكي المستلب، وكان من نتائج هذه البرامج المستوردة على الناشئة ابتعادها عن الاهتمام بالسياسة وتركيز اهتمامها على وسائل الإعلام المرئية لتحلم بالجنة على الأرض، وتستمني بقشورالحضارة الغربية الرأسمالية فلا تنال إلا من مظاهرها الزائفة.
هذا المناخ العام الذي خلقته سلسلة الاختراقات النفسية، ذكرني بالمتنبي وهو يشكو ما ألم به عندما أنشد قائلا:
عيد بأي حال عدت يا عيد بما مضى، أم لأمر فيك تجديد
كتاب مأجورون:
في ظل هذا المناخ، ظهر خطرآخريتهدد المجتمعات العربية ويهدد كياناتها بمقتل، ويتمثل هذا الخطر في الكتاب العرب المأجورين، من صحافيين وقاصين وروائيين وشعراء، هؤلاء تم شراء ذمم هؤلاء بطرق متعددة من بينها منح دعوة الحضور للمؤتمرات والملتقيات الثقافية العربية، وفي هذه الملتقيات يوفر المضيفون المبيت المريح في فنادق خمسة نجوم الحافلة بالخمر والخمير واللحم الكثيربالإضافة إلى أظرفة مالية سخية، وكانت النتيجة أن سكت كثير من المثقفين والمبدعين عما يجري من مآس في العالم العربي وتقاعسوا عن أداء وظيفتهم الأولى المتمثلة في سعيهم إلى القيام بإضافات حقيقية وشاملة وعميقة إلى الحياة الثقافية العربية وليس الجري وراء الإكراميات والبيزنيس الثقافي.
وفي هذا الإطار يتم استقبال ما يكتبه هؤلاء المثقفون في مجلات وجرائد يومية تبلغ ميزانيات تسييرها مئات الملايين من الدولارات، وتدخل ضمن الميزانية دولارات كثيرة تذهب إلى جيوب المرتزقة تحت غطاء المكافآت عن مقالات لا تنتقد الأوضاع المتردية القائمة في العالم العربي إلا لماما،وإن فعلت ، فباستحياء وتسطيح من أجل ذر الرماد في العيون ليس إلا، وثمة كتاب مأجورون يعملون في هذه المجلات والجرائد المهجرية، ويكتبون فيها أعمدة تافهة تخلو من أي عمق فكري أو سياسي، ويجعلون من أقلامهم سلاحا يهاجمون به كل نزوع نحو المقاومة وكل فكرة تدعو إلى القومية و التقدمية.
وكانت الولايات المتحدة قد خصصت في بحر سنة 2005م منحة دراسية لصحافيين عرب من ضمنهم صحافيون مغاربة ينتمون إلى يومية مستقلة، وحجة أمريكا في ذلك أنها تريد أن يقيم هؤلاء الصحافيون ردحا من الزمن ببلاد العم سام على نفقتها، يتعرفون خلال مدة إقامتهم بها إلى حقيقة أمريكا ليعود هؤلاء النفر إلى بلدانهم فيصححون عبر مقالاتهم الصحافية ما علق بذهن بني قحطان من تصورات خاطئة في حق بني ساكسون، فيلمعون صورة أمريكا في أعين المغاربة الشديدة السواد، وهي حجة باطلة ظاهرها غاية سامية قوامها التقريب بين الشعوب ولقاء الحضارات، وباطنها رشوة صريحة منحت لهؤلاء الكتاب الصحافيين مقابل كذبهم على شعوبهم وتسترهم على الحقائق عندما يشتعل فتيل المعركة ويشتد أوارها بين الولايات المتحدة والمقاومة العربية في فلسطين والعراق ولبنان، أو تلك التي ستشتعل في أماكن أخرى من البلاد العربية المترامية الأطراف.
ويكون الإطار الذي يجري فيه هجوم المأجورين يوميات مستقلة لها مسلمات لا تحيد عنها، أولها معاداتها اللامشروطة للأنظمة العربية الممانعة وفي مقدمتها بعثيو العراق وسوريا، أي معاداتها لكل خط قومي تحرري، وكلما أحرزت المقاومة نصرا إلا وس
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |