البغل/قصة
كتبهاsakhr almohif ، في 25 سبتمبر 2006 الساعة: 21:30 م
-1-
كنت أتوقف دائما بهذا المكان ، أتقدم نحو جزار اخترته من دون الآخرين ، فأشتري منه لحما طازجا بدون عظام ، يطحنه بعد أن يضيف إليه بعض التوابل والبصل ، ثم يدفعه إلى غلامه صاحب المشواة ، أستقعد بالمقهى المجاورة له ، يشد انتباهي جبل شامخ يبدو على شكل هرم ، قاعدته كبيرة ، كبيرة جدا بحيث يمتد على مسافة ساعة بالسيارة، قمته مدببة ، أديم النظر فيه وقد امتلأت رئتاي برائحة الشواء ، ثم ألتهم الكفتة مع كوب شاي ساخن ، وعندما أفرغ من الطعام ، أرنو إلى الخراف المسلوخة المعلقة، فيخطف بصري طابع الطبيب الأحمر منحوتا على ظهور أوأكتاف العجول والخرفان والفراخ ، لا فرق ، هذه المرة ، بدت لي البقع الملتصقة بوزرة صاحبنا الجزار على غير عادتها ، بدت أقرب إلى السواد ، غريبة ومشاكسة
كنت أتوقف دائما في هذه المحطة ، أجلس في المقهى المجاور للجزار ، يحضر لي النادل الشاي ، شايا أخضر، أشربه عندما ألتهم الكفتة وأنا أرقب السيارات والشاحنات وهي تعبر الطريق الرئيسة ، ثم أتحول إلى الجهة الأخرى من المقهى حيث لا تخفي عني واجهتها الزجاجية هضابا تتدرج في الارتفاع ، على أن أسمقها أقل ارتفاعا من الجبل بثلاث مرات على الأقل ، هكذا أخبرني جدي لأمي ذات صيف ، تبدو البيوت البيضاء متناثرة ، وحولها أرض صفراء أو خضراء أو بنية ، حسب تعاقب الفصول ، أنظر إلى كل هذا وأتخيل أحداثل جساما حدثت في الماضي بين القبائل المتجاورة ، كان الجيران أكثر الناس عداوة بعضهم لبعض ، أطلب من النادل الجريدة ، فيرد علي :
- ألا تكفيك تلك التي تلتهم سطورها ؟
وأطلب منه قهوة سوداء مركزة في فنجان صغير ، يبتسم وهو يقول لي :
- قهوة سوداء مثل المستقبل .
فأرد مؤكدا كلامه :
- مثل المستقبل .
3--
بعد سنين من الحادثة التي سأرويها لكم ، التقيت الجزار ، بالكاد عرفته وهويخترق الغابة ، ألفيته خائفا مني ، عادت الروح إلى قلبه عندما قلت له :
- شكرا لك .
نظر إلي بدهشة …
- على ماذا ؟
- على ما أنا عليه الآن…
عندما دقق النظر في هيأتي ، زادت دهشته ، ثمة تحول كبير طرأ علي ، كان يعتقد بأنني سأركله بقائمي الخلفي ركلة مميتة ، لكنه حزم أمره وقد اطمأن إلي وهو يحدثني :
- سيدي البغل ، لم يكن الأمر بيدي مطلقا ، كان الباشا يبعث إلي في طلب كيلوغرامين لحما ، وكان قائد الملحقة يأخذ مني الرجل الخلفية للخروف كاملة ، ولن أحدثك عن الآخرين ، لم يكن أحد منهم يدفع الثمن ، سيدي البغل ،أعترف لك بذنبي، ولهذا أطلب منك المغفرة .
- هيا …انصرف .
-4-
كنت دائم التوقف في هذه المحطة أثناء قدومي من الغرب ، أترك السيارة ، أترجل ، وأسبح في الأحلام ، أسترجع أحداثا لم أعايشها ، لكنها حدثت بالفعل ، والعهدة على الرواة ، أقصد جدي وجدتي وأعمامي ، قريبا من هذه المدينة الصغيرة ولدت منذ مئات السنين ، في بيت إسمنتي يمر بالقرب منه النهر الكبير ، ليس في المنطقة نهر أكبر منه ، يحيط ببيتنا زيتون ، ثمة جبل كبير يظللنا ، غاباته الكثيفة التي تكسوه تبدو متناسقة ، سرو ، بلوط ، خروب ، فلين وبرتقال ، تين وعنب …كلها تعيش جنبا إلى جنب في حب ووئام ، تجثم فوق تربة حمراء دونما زحام أوخصام ، تطل على وديان صغيرة يتسرب ماؤها بين الأحجار كي تغذي النهر الكبير ، أذكر فقط أن الوجه المقابل لنا من الجبل العظيم ، الذي يأوي خنازير وثعالب وذئابا كثيرة كان مكسوا بالكامل بالغابات ، وما أثارني الآن ، أن نصف مساحته قد تعرى من كسوته بلا حياء فكشف الجبل العظيم عورته للملأ …لا …لا … ليس الجبل شاذا أو عديم الحياء ليفعل ذلك .
-5-
لم أكن أثناء عودتي من الشرق أتوقف في هذه المحطة ، كنت فقط أخفف من سرعة السيارة وأخترق أنوار
الشارع المبهرة ، أتبادل التحايا مع الجزار وغلامه الشواء ، حيث الليل قادم ، أما النادل ، فيلوح لي بفنجان قهوة ، لا تفارق الابتسامة الجافة محياه ، وأبتعد شيئا فشيئا لأخرج من النور إلى الظلمات ، لا يلوح لي الجبل أبدا ، يحجب الظلام عني كل شيء ، أقصد ظلمات الطريق الطويلة.
-6-
في هذه المرة ، على غير العادة ، أثناء عودتي من الشرق ، لاحظت بعد وصولي المدينة ، أن الناس متحلقون حول الجزار ، رأيت رجال الدرك يبعدون الناس عن المكان ، أوقفت السيارة بالقرب من المقهى ، اقترب مني النادل ، بعينين تلهو فيهما الشماتة ، وقبل أن أبادره بالسؤال عما يحدث ، قال لي :
_ لقد ضبط وهو يبيع لحم البغال …
تصورت أمورا كثيرة وأنا أنصت إليه ، تخيلت ما لايصدقه عقل …
_ البغال ؟
_ أجل .
- ألم يكن يبيع لحم الحمير ؟
هز كتفه وحرك رأسه موافقا …
- والحمير أيضا …
كنت أشد على رأسي وأتحسس أذني ، خطر ببالي أن أسأله مرة أخرى وقد بدأ صبره يضيق بأسئلتي …
- والكلاب ؟
- لا … لا … الكلاب لا …
- هل أنت واثق ؟
- أجل ، لأن الكلاب من اختصاص الصينيين والفيتناميين .
- والقطط ؟
- لا تدر ربحا كثيرا على ما أعتقد ، اطمئن من هذه الناحية .
دنا مني برأسه هامسا…
- ألم تقرا ذلك في الجرائد ؟
- كلا…
قال بشماتة :
- وما فائدة قراءتها إذن ؟
- طيب ، ولكن… ماذا كان يفعل البيطري ؟
_ كان يقوم بمهامه خير قيام ، يطبع اللحم المعلق …
_ ثم …
_ يأخذ اللحم بالمجان …
_ لكني كنت أدفع الثمن .
انسحب النادل بهدوء ، فغادرت السيارة ، التفت نحو الجبل ، كان غارقا في الظلام ، استدرت ناحية الجوقة الملتفة حول الجزار ، شعرت بأن شيئا ما سيحدث ، أشفقت على معدتي ودماغي ، تقيأت كثيرا ، بدا لي أن حركات مثيرة تتفاعل في جسمي ، ثمة زلزال يهز أركاني ، أخذت أتلوى ، تستطيل أذناي كثيرا ، تبرز أسناني ،يتفتق من أعلى مؤخرتي ذيل طويل يحميني من هجوم الذباب الأزرق ، كان يكفي أن تتقلص أصابع رجلي وتتجمع فتسفر عن حوافر صلبة ليتمزق حذائي ، كان يكفي أيضا أن يحدث نفس الشيء لأصابع يدي لأؤمن بأن الطبيعة جعلت لكل عضو من أعضاء الكائن الحي وظيفة من الوظائف ليقوم بها في لعبة الوجود ، ما يعني أني صرت غائي التفكير ، أنهق بصوت عال ، لا أعار أي أنتباه من أي أحد ، نسيت أن أخبركم بأن أيري انتفخ كثيرا وتضخمت خصيتاي ، يزداد نهيقي كلما كان الجمع يتكاثر ، ينسل غلام الجزار من بين الجمع ، يقترب مني حاملا لجاما ، فأركله ، ثم أركل النادل وبعده الطبيب ، لا يسلم الباشا من ركلاتي ، أدنو من كبير الدرك ، وأستدير بمؤخرتي ، ظن الجميع أني سأركله ، بيد أني أطلقت عليه وابلا من الغائط المكور ، أصاب الغائط البغلي وجهه وسرواله ، يشهر رفاقه مسدساتهم في وجهي ، ينهرهم ، أستبدل جلدي الآدمي الناعم بوبر سميك ، ينهالون علي بالعصي ، لا ينالون مني شيئا ، أهرب منهم بين الأزقة ، يتهمونني بالجنون ، أغوص في الظلام و أقطع الوادي الكبير و أسيح بين بساتين الزيتون والتين الشوكي ، يكفون عن مطاردتي ، ألتحق بالجبل ، هناك ، وجدت مفاجأة سارة ، كانت الثعالب والذئاب والخنازير والقطط الوحشية في انتظاري وقد خصصت لي استقبالا رسميا غردت فيه جوقة الحساسين والعنادل وطيور الكناري ، ورقصت فيه الأفاعي والأرانب .
7--
قال لي :
_ منذ متى وأنت تعيش على هذا الاعتقاد ؟
كان يطل علي بعينين جامدتين لا يرف لهما طرف … قلت :
_ منذ وقعت الواقعة.
_ أي واقعة ؟
_ تلك التي ليس لوقعتها كاذبة .
_ قل لي ، هل ما حكيته لي هو تراه دائما في أحلامك ؟
_ أجل.
_ من فضلك ، هل يمكنك أن تخبرني متى تراه بالتحديد ؟
_ لا أذكر ، يحدث ذلك في أوقات متفرقة …طبعا ، منذ أن صرت بغلا .
_ هل تراه في أحلام يقظتك ؟
قلت :
_ أجل .
قاطعني الطبيب قائلا :
_ هذه حالة خطيرة لم يسبق لي معالجتها من قبل ، لقد بلغت درجة خطيرة من المرض ، وأعتقد
أنك في حاجة إلى علاج طويل وشاق ، إنك مصاب بمرض نادرجدا لا يصيب إلا البشر في العالم الرابع
والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر ، ويدعى هذا المرض داء وسواس البغال المكتسب .
صخر المهيف
Sakhr1972@hotmail.com
www.maktooblog.com/sakhr1972
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























