المثقفون المأجورون …
كتبهاsakhr almohif ، في 26 نوفمبر 2006 الساعة: 07:11 ص
المثقفون المأجورون :
حصان طروادة في حصون العالم العربي
كشفت الحرب اللبنانية الصهيونية الأخيرة، عن عمق الأزمة التي يعيشها العالم العربي من الماء إلى الماء، ولعل من أبرز مظاهر هذه الأزمة تهلهل الثوابت التي كان كل العرب يجمعون عليها، ولو أن البعض كان يفعل ذلك تقية ونفاقا في مرحلة المد الثوري العربي، حين كان الإجماع على حق الفلسطينيين واللبنانيين في حمل السلاح ومقاومة المحتل حقا بعيدا عن أي نقاش علني، ويفهم من هذا التهلهل على أنه اختراق نفسي للشعوب العربية من طرف الغرب بعد سلسلة الهزائم المتتالية التي مني بها العالم العربي بدءا من سنة1967م مرورا بسقوط بيروت أمام العدو الصهيوني سنة1982 ،انتهاءا بحصار العراق وليبيا والسودان ثم غزو العراق عام 2003م، ومن مظاهر هذا التهلهل الذي تحدثت عنه في صدرهذه المقالة ذلك الشرخ العميق الذي حدث في صفوف الرأي العام العربي بخصوص ما يجري في العراق، حتى لم يعد المرء يدهش لما يسمع نخبة من الشعراء والكتاب، عن جهل أو تجاهل، وهم يقولون إن ما جرى للرئيس العراقي الشرعي صدام حسين من إهانة أمر مقبول ومبرر بحجة ديكتاتورية النظام، والأنكى من ذلك أن منهم من يعتبر الذين يقاومون مجرد أفراد يقاتلون من أجل امتيازاتهم التي فقدوها بزوال النظام البعثي، متناسين أن فصائل المقاومة العراقية التي تنفذ هجوما واحدا كل ثلاثين دقيقة على القوات الأمريكية، يبلغ تعدادها ثلاثا وثلاثين فصيلا وتتكون من بعثيين وشيوعيين وأكراد وسنة وشيعة وآشوريين وتركمان.
فكيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من تشرذم وانحلال في المواقف اتجاه ما يجري على الأرض العربية من كوارث؟ حتى صار من أبناء جلدتنا من يؤيد الاحتلال الأجنبي وينتصرللعدو و يبشر به، منذ متى كان بيننا من يشكك في أمرالمقاومة ويشتم زعماءها ويسفه أحلامها إلا متسترا أو من وراء ستار ؟
منذ متى؟
اختراق نفسي:
ومرد الأمر ذلكالاختراق النفسي الخطير الذي حدث في الوعي السياسي العربي وكان بطله السادات ووقائعه زيارته الشهيرة لمدينة القدس وهي تحت الاحتلال الصهيوني، وبعدها خطابه التاريخي أمام الكنيست الإسرائيلي، وجاءت بعده وسائل الإعلام التي أخذت تكرر بلا هوادة كل يوم كلمة السلام في شاشات التلفزة وصفحات الجرائد والمجلات العربية حتى سكنت العقول واستقرت في النفوس، والشيء إذا تكرر تقرر كما تقول العرب، وكان هذا ثاني اختراق نفسي كانت وراءه وسائل الإعلام وليس السياسة وشؤون الحكم كما هو الشأن بالنسبة للاختراق الأول، وكان للصحافة المكتوبة النصيب الأوفر في حدوث هذا الاختراق الذي تأمله أمريكا ووراءها الغرب كله، لاحظ مثلا أن البترودولارالعربي أسس يومية ناطقة باللسان العربي في قلب عاصمة الضباب في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وخلعوا عليها اسم الشرق الأوسط ، عوض الشرق العربي الخالي من دولة تسمى إسرائيل، لاحظ أنه شرق أوسط وليس شرقا عربيا، هذه العبارة التي تقرأ كل يوم ملايين المرات في أكشاك الجرائد ويتلقفها القراء دون القيام بعملية تأويل وإمعان نظر فيما ينطوي عليه من إيديولوجيا، فيسهل على هذه العبارة، التي تأخذ لبوس مفهوم سياسي كما تلبس لبوس تحديد جغرافي وتاريخي أيضا، أن تتغلغل في لا وعي المتلقي العربي ويستقر فيه كما أريد له من طرف الصهيونية والامبريالية وأذنابهما من الأنظمة الرجعية والعميلة.
وفوق كل هذا، أسس البيترودولار العربي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وفي عاصمة الضباب دائما، قناة فضائية هي ال م بي سي ، وتناسلت بعدها قنوات فضائية أخرى من بلاد أوروبا ولبنان ومصر وشمال إفريقيا، وهو ما شكل اختراقا ثالثا للوعي الجمعي العربي، بسبب نوعية البرامج التي تقدمها هذه الفضائحيات من رقص هابط و خطاب سياسي مبتذل وجرعات غنائية تستفز الغرائز الجنسية عند المتلقي في بعدها البهيمي، كما تحتل المسلسلات والأفلام السينيمائية الأمريكية مساحة هامة من ساعات بثها، وكانت النتيجة أن هذا الاختراق مس الناشئة العربية وقد تأمرك نمط عيشها كما تأمرك سلوكها باكتساب هذه الناشئة الجانب المظلم من السلوك الفردي الأمريكي القائم على الأنانية وحب الذات واتباع النهج الفردي الاستهلاكي المستلب، وكان من نتائج هذه البرامج المستوردة على الناشئة ابتعادها عن الاهتمام بالسياسة وتركيز اهتمامها على وسائل الإعلام المرئية لتحلم بالجنة على الأرض، وتستمني بقشورالحضارة الغربية الرأسمالية فلا تنال إلا من مظاهرها الزائفة.
هذا المناخ العام الذي خلقته سلسلة الاختراقات النفسية، ذكرني بالمتنبي وهو يشكو ما ألم به عندما أنشد قائلا:
عيد بأي حال عدت يا عيد بما مضى، أم لأمر فيك تجديد
كتاب مأجورون:
في ظل هذا المناخ، ظهر خطرآخريتهدد المجتمعات العربية ويهدد كياناتها بمقتل، ويتمثل هذا الخطر في الكتاب العرب المأجورين، من صحافيين وقاصين وروائيين وشعراء، هؤلاء تم شراء ذمم هؤلاء بطرق متعددة من بينها منح دعوة الحضور للمؤتمرات والملتقيات الثقافية العربية، وفي هذه الملتقيات يوفر المضيفون المبيت المريح في فنادق خمسة نجوم الحافلة بالخمر والخمير واللحم الكثيربالإضافة إلى أظرفة مالية سخية، وكانت النتيجة أن سكت كثير من المثقفين والمبدعين عما يجري من مآس في العالم العربي وتقاعسوا عن أداء وظيفتهم الأولى المتمثلة في سعيهم إلى القيام بإضافات حقيقية وشاملة وعميقة إلى الحياة الثقافية العربية وليس الجري وراء الإكراميات والبيزنيس الثقافي.
وفي هذا الإطار يتم استقبال ما يكتبه هؤلاء المثقفون في مجلات وجرائد يومية تبلغ ميزانيات تسييرها مئات الملايين من الدولارات، وتدخل ضمن الميزانية دولارات كثيرة تذهب إلى جيوب المرتزقة تحت غطاء المكافآت عن مقالات لا تنتقد الأوضاع المتردية القائمة في العالم العربي إلا لماما،وإن فعلت ، فباستحياء وتسطيح من أجل ذر الرماد في العيون ليس إلا، وثمة كتاب مأجورون يعملون في هذه المجلات والجرائد المهجرية، ويكتبون فيها أعمدة تافهة تخلو من أي عمق فكري أو سياسي، ويجعلون من أقلامهم سلاحا يهاجمون به كل نزوع نحو المقاومة وكل فكرة تدعو إلى القومية و التقدمية.
وكانت الولايات المتحدة قد خصصت في بحر سنة 2005م منحة دراسية لصحافيين عرب من ضمنهم صحافيون مغاربة ينتمون إلى يومية مستقلة، وحجة أمريكا في ذلك أنها تريد أن يقيم هؤلاء الصحافيون ردحا من الزمن ببلاد العم سام على نفقتها، يتعرفون خلال مدة إقامتهم بها إلى حقيقة أمريكا ليعود هؤلاء النفر إلى بلدانهم فيصححون عبر مقالاتهم الصحافية ما علق بذهن بني قحطان من تصورات خاطئة في حق بني ساكسون، فيلمعون صورة أمريكا في أعين المغاربة الشديدة السواد، وهي حجة باطلة ظاهرها غاية سامية قوامها التقريب بين الشعوب ولقاء الحضارات، وباطنها رشوة صريحة منحت لهؤلاء الكتاب الصحافيين مقابل كذبهم على شعوبهم وتسترهم على الحقائق عندما يشتعل فتيل المعركة ويشتد أوارها بين الولايات المتحدة والمقاومة العربية في فلسطين والعراق ولبنان، أو تلك التي ستشتعل في أماكن أخرى من البلاد العربية المترامية الأطراف.
ويكون الإطار الذي يجري فيه هجوم المأجورين يوميات مستقلة لها مسلمات لا تحيد عنها، أولها معاداتها اللامشروطة للأنظمة العربية الممانعة وفي مقدمتها بعثيو العراق وسوريا، أي معاداتها لكل خط قومي تحرري، وكلما أحرزت المقاومة نصرا إلا وسارع هؤلاء الكتاب إلى تشويه سمعتها والتشكيك في مصداقيتها، فيومية الأحداث المغربية مثلا كانت تنشر سيرة الرئيس العراقي صدام حسين بمجرد وقوعه في الأسر، وكانت صاحبة هذه السيرة، وهي صحافية عربية سبق لها أن اشتغلت في بلاد الرافدين، قد ركزت تمام التركيز على علاقة صدام حسين بالمشعوذين كما تضمنت السيرة مغالطات كثيرة جعلت الرئيس العراقي يبدو كأنه شيطان كبير، ولم تبق نقيصة في الدنيا إلا وألصقت به …ولا أعرف يقينا حول المغزى من نشر ذلك الكتاب في ذلك الوقت بالتحديد سوى إعطاء الشرعية للاستعمار الأمريكي البريطاني للعراق والعمل من ثم على تشويه صورة المقاومة العراقية والعمل على خلخلة التعاطف الشعبي العربي مع المقاومة العراقية الباسلة.
ومن الملاحظ أن هذه اليوميات تتحاشى استخدام كلمات مثل: مقاوم، مقاومة، وبات كل ما يجري ضد قوات الاحتلال من عمل "مسلح" أو "مسلحين" حتى حفظنا عن ظهر قلب لازمة تتردد كثيرا في فضائياتنا الموقرة، مثل:" قام مسلحون في الرمادي بنسف شاحنة"..".أطلق مسلح النار على موكب وزير"…هذه الحماقات الإعلامية التي تجري أمام أعيننا لا تدل إلا على أن عملا منظما وخطيرا يقوم به الأعداء الهدف منه زعزعة ثوابت الأمة العربية في مقاتلة المحتل ودحره، وتخريب الجسم الثقافي العربي وإلقاء بذور الشقاق فيه من وراء حجاب، حتى إن كل عاقل ينظر إلى واقع الإعلام العربي المرئي منه والمكتوب لا بد له أن يصرخ عاليا : إنه لأمر دبر بليل.
اختراق الوعي ، اختراق الحلم :
لقد سقط سور برلين عام 1989م، و سقطت معه رهانات وأحلام، وارتد عن الاشتراكية من ارتد، واعتدل من اعتدل، وتوارى عن الأنظار من توارى، فدخلت مفاهيم جديدة إلى حقل التداول الإعلامي والثقافي العربي، من قبيل التسامح والسلام والقبول بالآخر، وهي مصطلحات ومفاهيم تلبس لبوسات متعددة بتعدد الملل والنحل الصادرة عنها، وكل ملة وكل نحلة تخلع عليها معنى من المعاني يوافق طبيعة بيئتها وأهواء حامليها، بيد أن ضعاف النفوس من الكتاب المأجورين، يريدون بترويج هذه المفاهيم والمصطلحات أن تتعايش الشعوب العربية مع مغتصبي حقوقها في وئام، وهم بذلك يريدون من النعجة أن تتسامح مع الذئب والغزالة مع الأسد، ويتصالح الضأن مع النمروسمك موسى مع سمك القرش، ولا يعلم هؤلاء القوم أنهم بعملهم ذاك يوفرون الغطاء الأخلاقي والأيديولوجي للغزاة في استباحة الحرمات وتدمير المقدرات، وكأنهم يسعون إلى أن لا يرفع عراقي سلاحا في وجه مستعمر ولا يٌَضرب صهيوني بحجر طفل من غزة أو تطلق عليه رصاصة من بندقية فلاح فلسطيني يرى صهيونيا يهم بقطف برتقالة غرسها والده أوجده، حتى صار الخنوع للعدو مرادفا للحب والوئام والتسامح وحوار الديانات، بينما غُيبت مصطلحات ومفاهيم عن حقل التداول الثقافي العربي من قبيل العدالة الاجتماعية و التقدم و التعاون بين الشعوب العربية في شتى الميادين وحق الشعوب في تقرير مصيرها و حقها في حمل السلاح ومقاومة الاحتلال .
ويتجه هؤلاء الكتاب نحو مهاجمة كل نظام سياسي عربي يحمل لواء المقاومة مثلما هو الشأن بالنسبة للنظام السوري وصارت هوايتهم المفضلة التمويه على حركات المقاومة بفلسطين ولبنان، وهؤلاء هم الذين يشكلون الطابور الخامس الأمريكي كما هو الشأن بالنسبة للطابور الخامس الألماني الذي كان يدخل معاقل العدو ويخربه من الداخل، والطابور الخامس هذا كان يقوم إبان الحرب العالمية الثانية بعمليات التجسس ونشر الدعايات والأكاذيب وسط الجماهير ويبث فيهم روح اليأس والقنوط، على أن الجديد في الطابور الخامس الأمريكي بالعالم العربي هو أن العاملين به عرب، حيث يقوم أعضاؤه في سياق معالجتهم موضوعا من الموضوعات السياسية، بالتعامل بانتقائية مع معطيات التاريخ، فتراهم يتجاهلون الصفحات المشرقة من التاريخ العربي وغالبا ما يؤولون أحداث التاريخ بما يهدف إلى التشكيك في مصداقية الثورات العربية وفي مقدمتها الثورة الناصرية وبعدها ثورات حزب البعث ولا يرون فيها إلا ديكتاتوريات دموية وبشعة، وغالبا ما تضرب هذه الأقلام صفحا عن إنجازات هذه التجارب في ميادين مختلفة كالتعليم والصحة والثقافة والفن، متسترة على جرائم العدو الصهيوني والأمريكي، بدعوى أن المقاومة بأشكالها المختلفة، هي التي جرت على العالم العربي شتى الويلات من احتلال وعدوان وتخلف.
أمثلة ساطعة :
ومحصلة القول أن هذه الأقلام تعمل تحت راية الشيطان الأمريكي وتابعه العربي ،ولعل ما عرفته الساحة الصحافية العربية المكتوبة من مهازل طيلة أيام الحرب الإسرائيلية/الأمريكية السادسة على لبنان المقاومة، ما يندى له الجبين، وسأقدم من الشواهد الساطعة ما يضحد حجة المتشكك في الحقائق التي أوردتها، وعلى سبيل المثال، كتب الصحافي (رضوان السيد) في صفحة الرأي بجريدة الشرق الأوسط في عددها الصادرفي16 غشت 2006م في عز الاحتراب اللبناني الصهيوني مقالا بعنوان (لبنان وصراعات المنطقة بعد القرارالدولي)، في هذا المقال، لم يلتزم الكاتب التحليل السياسي الموضوعي، وتحت وهم الموضوعية، سعى إلى التعمية على الحقائق، فإذا كان عنوان المقال يشي بتحليل عميق للحرب الدائرة التي خلفت ما خلفت وراءها من دمار وقتل، كما ينبؤ بتمحيص في الأسباب العميقة التي أدت إلى قيامها من حيث هي جولة من جولات الحروب التي تخوضها أمريكا اليوم ضد العرب في كل من فلسطين والعراق ولبنان و غدا ضد السودان وسوريا، فإن الكاتب اللبناني رضوان السيد أبى إلا أن يتجه شرقا، إلى بلاد فارس، التي سلط الأضواء الكاشفة على سياستها الخارجية وملفها النووي حتى بدت أمام القارئ من خلال هذا المقال، أنها المعنية الوحيدة بالحرب اللبنانية الصهيونية، وكأنها المسؤولة الأولى عن اندلاع هذه الحرب، وقد تغاضى الكاتب كليا عن الدور الأمريكي القذر في إشعال فتيلها وتدميروطنه لبنان، حتى إن القارئ ليظنن أن الفرس هم المسؤولون عن حدوث مجزرة قانا والبقاع، وكان أولى بالكاتب أن يغير عنوان المقال إلى : (الدور الإيراني في الحرب اللبنانية الأسرائيلية الأخيرة) وهذا عيب منهجي خطير وضحك على ذقن القارئ وخطأ لا يغتفر لكاتب خبر شؤون الكتابة وعركها بحيث يضع في أعلى المقال عنوانا لا يتفق ومضمونه.
ويختم الكاتب اللبناني مقاله بكلام يفضح نيته الخبيثة في التشكيك بنزاهة المقاومة ومصداقية أهدافها، وينزع عنها كل استقلالية في اتخاذ القرار السياسي والعسكري ويصورها كأنها دمية في يد الفرس و البعثيين السوريين، فللننصت إليه وهو يقول، إذ له علينا حق الإنصات ، كما لنا عليه حق الرد والنقد :
( هناك على أي حال جولة على وشك الانتهاء في الصراع الإيراني- الأمريكي على أرض لبنان معلمها الرئيسي القرار الدولي1701 وهناك ما يدل على مكان حدوث جولات أخرى، مواعيدها مرتبطة بتطورات التعامل مع الملف النووي الإيراني(22/8/و30/8)، ولا يمكن قياس ما يحدث الآن على ما كان يحدث في الماضي على الساحة اللبنانية، فالوضع مختلف، والأطراف مختلفون، والأهداف لا تتعلق بفلسطين ولا بتحرير الأرض اللبنانية، لا في الظاهر ولا في الباطن.
لا أعرف إيرانيا إلا ويحفظ قصيدة "الساقي" للشاعر الفارسي الكبير حافظ الشيرازي، ومطلعها يقول بالعربية ثم بالفارسية:
ألا أيها الساقي أدر كأسا وناولها بدأ الحب رقيقا جميلا ثم ظهرت المشاكل)
وفي نفس الصفحة من نفس العدد، كتبت الصحافية اللبنانية "سناء الجاك" من أسرة تحرير جريدة الشرق الأوسط مقالا بعنوان"دولة السيد"، وقد جاء على لسانها: (وعلى هذا الشعب أن يبادله الوفاء بالوفاء، فيلبي وينبري للدفاع عندما يتجرأ بعض الأشخاص ويرتكبون "خطيئة" طرح مسألة سلاح "حزب الله " وهم يجلسون خلف مكاتبهم وتحت المكيف وبأعصاب باردة) هكذا، عوض أن توجه الكاتبة سهام نقدها للذين دكوا بلدها دكا كما للذين أداروا ظهورهم للبنان من العرب ومن أبناء البلد أيام محنته، هاهي ذي تبث سمومها بكفاءة عالية في صدر السيد، السيد نصر الله وفي جسد المقاومة الباسلة، ولعل قولها أبلغ من أن يفسر أو يطاله تأويل وهي التي تختم مقالها ذاك بهذه الجملة:(أم علينا أن نموت دون هذه الدولة/ الحلم ونكتفي بدولة السيد؟ )، وللقارئ أن يجيب عن سؤال الصحافية المقتدرة.
وفي النهاية، سأدعوكم أيها السادة لنقوم بإطلالة على مقالة تعود لواحد من عباقرة التحليل السياسي بالمغرب، الأستاذ الفاضل "محمد عبد المطلب الهوني" من خلال مقاله: (السيناريوهات المقبلة) وهو الصادر بجريدة الأحداث المغربية ليوم28 يوليوز2006م في العدد 2735، ويشن فيه الكاتب هجوما مسعورا على المقاومة اللبنانية الباسلة، ونراه يستهل مقاله ب : (السيد حسن نصر الله يعد الأمة بالنصر) ويضيف قائلا: ( قل من يصدق هذه الوعود من أهل جيلي، لأن جيلنا مرت عليه أساطير سابقة عابقة بالأوهام)، هكذا ينفي المحلل الكبير الشرعية عن عمل المقاومة دون أن يعطي البديل عنها متعاميا عن أصل المشكلة التي هي الرجعيات العربية المتحالفة مع الغرب وربيبته الصهيونية، بل إن الكاتب يتمادى في غيه فيزور الحقائق الساطعة، فتجده يقول في موضع آخر جازما كل الجزم وآمرا كما لوكان قائد كتيبة عسكرية : ( وبما أن مموله وصانعه"يقصد حزب الله" هم ملالي إيران، وجب علينا أن لا ننظر إلى هذه الميليشيا إلا أنها أداة ويجب أن نتفحص من يستعملها وهو إيران، إيران ترفض أن تجيب عن ورقة الأوروبيين حتى 22أغسطس الحالي…مما يدل على أن التخطيط لما نفذه حزب الله كان تخطيطا إيرانيا مع سبق الإصرار)
لاحظوا معي الكذب على التاريخ وتزوير وقائعه هذا الذي اقترفه الكاتب كأنما ليس ثمة شهود يشهدون على كل كلمة يبوح بها هؤلاءالنفر من أهل التمحيص والتحليل، هذا إذا كانوا كذلك، حتى صحافة العدو الصهيوني وذئاب البيت الأبيض الامريكي وجهابذتهم أقروا بأن الحرب على لبنان كان مخططا لها سواء أسر الجنديان الصهيونيان أم لا، بل إن صحافيين أمريكيين شاهدوا صحبة شخصيات سياسية وعسكرية وازنة على شاشة الفيديو بمقر البيت الابيض صحبة سياسيين وعسكريين في صيف سنة2005 تفاصيل الخطة العسكرية الصهيونية في حربها المقبلة على لبنان، بل إن أروقة الديبلوماسية الأوربية كانت تردد همسات حول صيف لبناني ساخن قبل شهور من اندلاع الحرب، ولم يعد خافيا، حتى على أشد الأغبياء غباوة، أنه كان في نية حكام العدو الصهيوني اختلاق شتى الذرائع لشن الحرب، فقد كان دمار لبنان مقدرا، وبذلك يبدو أن جوهر هذا المقال دفاع عن العدو الصهيوني وهو يقذف الحمم على أطفال وعجزة لبنان، وقشوره تفاهات لا متت لعلم السياسة بصلة من حيث هوعلم قائم على التمحيص والتدقيق وإعمال النظر في الظواهر والوقائع السياسية وربط الأسباب بمسبابتها ظاهرة كانت أم خفية، فكان الكاتب بذلك يدس السم في العسل ، يدس سم الكذب والتيئيس وتشويه الحقائق في عسل الحقيقة الموضوعية، ذلك أنها ليست المرة الأولى التي يأسر فيها حزب الله جنودا صهاينة متغطرسين، وليست هذه هي المرة الأولى التي يبادل فيها حزب الله أسرى العدو بأسراه، فلماذا الحرب الآن وليس البارحة؟
لاحظوا معي كيف يبرأ الاستاذ الهوني ذمة العدو من دم اللبنانيين المسفوك،
ولاحظوا كيف أن كتاب الطابور الخامس الأمريكي يحجمون تمام الإحجام عن الالتفات إلى آلاف الأسرى العرب في سجون الصهاينة وكأن هؤلاء الأسرى لايجري في عروقهم دم عربي ولا حقوق لهم علينا، نحن أبناء جلدتهم، وفي مقدمتهم عميد الأسرى" سمير القنطار" المعتقل منذ سنة 1978 .
ويطل علينا الأستاذ" شاكر النابلسي" بمجموعة من المقالات بلغت جرأة إحداها أن تساءل ببراءة الذئب عن المانع الذي يقف أمام العربي ليقبل باحتلال أمريكي سيخلص الشعوب العربية من الأنظمة الديكتاتورية مادامت ألمانيا واليابان قد تخلصتا من ديكتاتوريتي هتلروالأوليغارشية العسكرية المتحالفة مع البورجوازية اليابانية الكبيرة بفضل قبول هذه الشعوب للاحتلال الأمريكي، وقد تناسى أن الولايات المتحدة ما ساعدت هذين البلدين بمشروع مارشال إلا بعدما ربطتهما بالاقتصاد العالمي حيث تم دمج اقتصاد البلدين في الاقتصاد الأمريكي ضمن مقولة الاعتماد المتبادل، فشكلت أموال المتقاعدين الألمان واليابانيين سندا مهما للاقتصاد الأمريكي المتداعي بسبب ارتفاع فواتير الحرب الباردة، ولا يخفى على أحد أن أمريكا ما ساندت البلدين إلا لخوفها من سقوطهما في فخ فك الدب الروسي الأحمر، ثم إن الفكر الاستراتيجي الأمريكي يراهن على انقسام العالم العربي وإضعافه ومنعه من تجاوز الخطوط الحمراء، إذ لا يسمح لأي بلد عربي بالاستقلال عن المتروبول العالمي في إطار سياسة الانكفاء على الذات وتحقيق الأمن الغذائي وتوطين التكنولوجيا والحصول على القنبلة النووية، فالعالم العربي يشكل خطرا استراتيجيا دائما على الولايات المتحدة وأوروبا، ولا يسمح له أبدا أن يتجاوز عتبات التطور المسموح بها عالميا، وعلى الرغم من ذلك، طلع علينا الأستاذ شاكر النابلسي بيومية الأحداث المغربية في العدد 2823 الصادرفي العدد المزدوج 24 أكتوبر و25 أكتوبر2006 تحت عنوان:(هؤلاء هم عقلاء العراق) متحدثا عن رقم 650 ألف عراقي الذين قضوا بسسب الحرب الأمريكية الهمجية على العراق منذ العام 2003،متسائلا في نفس الوقت عن مدى صحة هذا الرقم، وقد أكد الكاتب أن الكورد هم العراقيون العقلاء الرابحون وأن السنة والشيعة هم المجانين الخاسرون، ذلك لأنهم لم يعتبروا حسب زعمه أن الغزو الأمريكي البريطاني اختلالا يجب مقاومته- كان نهب مكتبات بغداد وسرقة كنوز العراق والبشرية واغتصاب النساء ونسف المعامل هي مجرد اختلالات بسيطة ليس إلا مثل انقطاع التيار الكهربائي مثلا- وإنما اعتبروه تحريرا من نظام شمولي ديكتاتوري مجرم، كانوا هم من أكثروأكبر ضحاياه، لذلك استقبل الأكراد المحتلين بالورود والزغاريد بوصفهم محررين، خلافا للوسط والجنوب المصابين- حسب زعم الكاتب العبقري- بلوثة العروبة والاستعراب، جاحدين بذلك للمعروف الأمريكي، منكرين فضائله ومناقبه الجميلة، يتناسى الكاتب أن التمرد الكردي في العراق كان مدعوما في البداية من نظام الشاه الذي كان وكيلا لأمريكا في المنطقة، وفي سنة 1974 حين كانت القوات العراقية مرابطة في سوريا، كان العراق يتعرض لمؤامرة أبطالها قادة السي أ أ والموساد، الذين وعدوا القيادات الكردية بمدهم بالسلاح لإنجاح تمردهم، لكن الحرس الجمهوري أحبط هذا التمرد الكردي المدعوم من طرف أعداء الشعوب العربية وشعوب البلاد المغلوبة على أرضها، وكان الصهاينة يدعمون هذا التمرد في إطارسياستهم التي تدعم الأقليات في العالم العربي على التمرد لتفتيت وحدة الشعوب العربية وإثارة النعرات الطائفية بما يخدم أهدافهم التوسعية في المنطقة، وسأدعم هذه الحقيقة في مقال آخر باعترافات القيادات الكردية بخيبة أملهم بعد فشل تمرد عام 1974.
ولا أعتقد أن هذه الفقرة التي سأنقلها بكل أمانة للقارئ تحتاج غلى تعليق أو تفسير وشرح، فلنستمع إلى قمة الاستهزاء والضحك والاستهزاء الذي يمارسه النابلسي في حق أبناء جلدته وقد انسلخ عنهم وسفه أحلامهم وكذب على تاريخهم:
( - لماذا اخذ الكورد بالعقلانية والواقعية المذهلة من الاحتلال كل ما ينفعهم، وتركوا له ما لا ينفعهم؟ لماذاأخذوا منه كل ما يساعدهم على الاستقرار والبناء والتقدم، وتركوا لهم قيمه وأخلاقه؟ هل أرغم الاحتلال الكورد على تغيير هويتهم ولغتهم ونسيان تاريخهم وتراثهم؟ هل سرق الاحتلال - كما يدعي عرب الوسط والجنوب-شمال العراق واستولى على نفط كوردستان؟)
ولكم أيها الأحبة واسع النظر في الحكم على هذا الكلام، الذي أوردته لكم غير مستزيد أو منتقص ليبقى كلامي حجة لمن لا حجة له يستأنس به وقت اللزوم.
حوصلة القول :
هو ذاك الطابور الخامس بين ظهرانينا يعمل بجد وهمة من أجل تسفيه أحلام الأمة العربية وتسطيح وعي جماهيرها، تراهم في مقالاتهم يلبسون لبوس العلمية والموضوعية، وغايتهم نزع الشرعية عن المقاومة أمام القراء، وهم في ذلك ينزعون إلى قلب الحقائق ولا ينظرون إلى التاريخ على أنه كل، بحيث ترتبط الظواهر بمسبباتها الحقيقية، فيقتطعون من التاريخ ما يصيب هوى في نفوسهم،
ويتفق مع ما يرمون إليه من بث للتفرقة، وإضعاف للهمم، وقد يوردون في حديثهم حقا أريد به باطل، مجتزءا من سياقاته التاريخية أو محرفا عن قصده الذي جيئ به من أجله، وهو كلام أدعى لأن يتهافت أمام نور الحقيقة الساطعة،
فالتاريخ وإن كتبه المنتصرون، لا يفتأ أن يجلى عن الحقائق الساطعة مهما كابر الكاذبون وعاند المعاندون وتاجر به المتاجرون، وهو نفسه- التاريخ- الوحيد بين العلوم جميعا، الذي لا يرحم أبدا، فيعلي من قدر هذا وقد طاله غبن، ويوطئ من شأن ذاك مهما بتالغ حواريوه من إعلاء شأنه، هو نفسه الذي يرمي إلى مزبلته كل من أساء إلى أمته أو باعها ولو بكنوز الدنيا، فإلى مزبلة التاريخ أيها الحاقدون علينا من أبناء عمومتنا ونحن فيكم شامتون.
صخر المهيف
WWW.MAKTOOBLOG.COM/SAKHR1972
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























