حوار صحفي

كتبهاsakhr almohif ، في 6 سبتمبر 2006 الساعة: 19:25 م

06/09/2006 - 08:33:05 م



 
القاص المغربي صخر المهيف:
أكتب من اجل الحياة وحدها
عبدالحق بن رحمون
الرباط 
 
 
يعد القاص المغربي صخر المهيف أحد الأسماء التي تنتمي لجيل التسعينيات. نلتقي به في هذا الحوار لكي يبوح لنا عن أسراره الشخصية مع الكتابة والنشر ، وبذلك سنكتشف فيه ذاك الصوت الجريح الذي يترجم حواسه في الحكي الذي ينسجه باحتراق مثل سجائره الأرستقراطية ( القصبة) التي يدخنها بشراهة خاصة لما يكون بصدد تفاعلات نص جديد يكتبه من إعصار إحباطات جيله الذي زجت به في منافي سحيقة، تلك التي راكم عبرها عدة مجاميع قصصية ورواية، كلهم مايزالون على شكل مخطوط ، أي في رف مكتبته كأنها في انتظار غودو ، إلا أن انتظار صخر المهيف انفرجت أساريره لما أسرت إليه وزارة الثقافة المغربية بأنه قريبا ستصدر له ضمن مشروع دعم الكتاب الأول مجموعته القصصية : "العنزة لولو" ، كما سيصدر له عن دار الوطن ، مجموعة قصصية : "ذكريات من منفى سحيق" .
وصخر المهيف يكتب الشعر والقصة القصيرة والمقالة السياسية والتربوية والنقد التلفزي منذ عام 1996، في منابر مغربية وعربية ، وإلى جانب ذلك فهو ممثل مسرحي، حيث سبق له أن شارك في عدة مسرحيات من بينها "إنسان في الزمكان" للمخرج يوسف غازي عام1999، ثم كذلك في مسرحية "أبجدية الاحتراق" في عام2003 ، ثم في مسرحية :البارودي ليوسف غازي عام 2002  ومسرحية "صدى الروح" للمخرج نجيب طلال عام 2004 .
وفيما يلي نص الحوار :
* ما رأيك فيما تكتبه ؟
** إني أكتب عن الحياة من أجل الحياة. وأثناء كل كتابة جديدة يحضرني فرح جديد، لأن في خضم العملية ولادة جديدة، أجدني أكتب من أجل الفرح ولو أن الأمر يتعلق بمجرد نزوات عابرة، لكان الأمر عاديا تماما، ومادامت المسألة متعلقة بالكتابة التي هي شيء مقدس، فسأصدقك القول بأنني أعيش قلقا دائما، فبعد كل ولادة جديدة ينهض السؤال المؤرق: ما الذي سأضيفه ؟ هل استنفذت ذخيرتي من الحلم الذي هو ربيب للخيال ؟ إني دائم المساءلة التي تصل أحيانا إلى جلد الذات وذلك أثناء سعيي لما هو أفضل، لما هو أجمل، أريد دائما أن آتي بشيء جديد على مستوى اللغة والمضمون وذاك رهان صعب، ثم إن الممارسة الإبداعية تفرض علي دائما تجاوز ذاتي المبدعة، لهذا كله، لست راضيا تماما عما كتبته، حتى بعدما نلت جائزتين وطنيتين.
* منذ متى وأنت تكتب ؟
** في سن الحادية عشرة، كنت أكتب فروض الإنشاء والتعبير لأبناء الجيران الذين كانوا يكبرونني سنا ويفوقونني مستوى ! أليست تلك كتابة ؟ في سن الخامسة عشرة، أخذ عالم الرواية يستهويني، فكرت جديا، كتبت أشياء لم تتعد صفحاتها عدد أصابع اليد، كنت أكتب مواضيع سياسية، أذكر أنني كتبت قصة قصيرة عن القضية الفلسطينية في المجلة الحائطية للثانوية، ثم كانت الانطلاقة الحقيقية في سن السابعة عشرة، ومنذ ذلك الحين وأنا أكتب بشكل مستمر على الرغم من أنني انتظرت ست سنوات لأطرق باب النشر في أواخر عام 1995 على صفحات جريدة " محاور " التي توقفت عن الصدور.
* أراك منعزلا وأنت تكتب، أقصد بذلك ابتعادك عن الصخب أو الانتماء إلى ما يطلق عليه بالإخوانيات ؟
** وما الكتابة إلا عزلة وتعبدا . لكن دعني أقول لك أولا، بأن عزلتي ليست تامة، لقد شاركت في عدد من الملتقيات الوطنية الخاصة بالقصة القصيرة، وأرتبط بصداقة مع عدد من المبدعين ولي مراسلات معهم ثم إني عضو في نادي القصة القصيرة بالمغرب، لكني لا أجعل نفسي في موضع فرد من أفراد أي قبيلة، ولم أحط نفسي بجماعة أتبادل مع أفرادها كتابات شبه نقدية، من قبيل أنت صديقي، إذن سأكتب عنك، كما هو شائع عند أبناء جيلي والأجيال التي سبقتني، إني أنتمي لقبيلة الإبداع الحقيقي ولا مجال عندي للمجاملة، بهذا المعنى، أرى نفسي منعزلا، فالجماعات الصغيرة، مآلها الزوال، أين الديوان ؟ أين أيولو ؟ ما بقي هو الإبداع الذي جنت عليه عندنا المجاملات المبثوثة على صفحات الملاحق، إني دائما أقرأ متابعات لمجموعات قصصية وأضمومات شعرية تؤكد على أن استراتيجية الكتابة عند فلان تفتح آفاقا جديدة للكتابة والتلقي، فأفاجأ أثناء قراءة هذه المجاميع بأنها لا تبشر بأي أفق جديد لا للكتابة ولا للتلقي، بل إنها تسد تلك الآفاق، هذا واقع مؤسف، لهذا أنأى بنفسي عن الانخراط في أي مجموعة يتبادل أفرادها مثل تلك المجاملات.
* هل أنت عاجز عن طبع مجموعتك القصصية ؟
** سابقا، في وقت من الأوقات كنت قادرا، لكني تريث حتى تنضج تجربتي أكثر وبسبب إكراهات عائلية، في الوقت الحالي، أجل، لأسباب ذاتية (مادية) ولأسباب موضوعية في غياب دعم المؤسسات باحتضانها لأعمالنا، باستثناء مبادرة دعم الكتاب الأول التي أطلقتها قبل سنوات قليلة وزارة الثقافة، وهي المبادرة التي استفاد منها مجموعة من الكتاب والشعراء الذين لم يسبق لهم طبع ونشر أعمالهم، حيث سترى مجموعتي القصصية " العنزة لولو" النور في إطار هذه المبادرة، ثم إن الناشرين لا يغامرون بطبع الإبداعات لأنهم يعرفون ضعف مقروئية الكتاب بالمغرب ولهم العذر في أنهم كتجار يبحثون عن الربح المضمون، فيقبلون على طبع الكتب المدرسية وإبداعات الأسماء اللامعة.
* على أي أساس تعتمد في خيالك عند الكتابة ؟
** أعتمد على قراءة الكتب لأكون مسلحا في ذلك بتجربتي الشخصية وتفاعلي مع الواقع، في تقديري، أن الواقع منبع ثر للخيال، غير أن ذلك لا يعني نقل الواقع كما هو أو نسخه بشكل فوتوغرافي. لقد تُجوِّز ذلك، إن القصة تعني بناء واقع جديد وإبراز موقف نقدي تجاه ظواهر الواقع الذي يشمل الطبيعة والمجتمع، أي الواقع الذي يشمل الظاهرة الفنية ذاتها بكل مكوناتها بما فيها الشكل الفني والأدوات الفنية التي بواسطتها نصوغ موقفا من الظواهر والقضايا الاجتماعية، بمعنى أن تخيل الأحداث لا يعفيك من نقدها وتحليلها.
* ما الذي يزعجك ويفرحك لما تقرأ نصا قصصيا ؟
** يزعجني كثيرا ضعف اللغة وغياب الإيحاء في تناول الظواهر والقضايا، أي الكتابة نتيجة الانفعال الذي لا يؤدي سوى إلى التسطيح، وهو نقيض العمق الناتج عن التشبع بالروح الإنسانية والعلمية، يزعجني أيضا غياب الاهتمام الكافي بالجانب الأسلوبي côté stylistique خصوصا أن أسلوب الكتابة عامل مهم فيما يخص عملية التواصل بالمتلقي، أما ما يفرحني، فعكس ما أسلفت، إضافة إلى وضوح الرؤية الفكرية لدى القاص.
* أعرف أنك عشت في منافي سحيقة كما تدأب على تسميتها، وأقصد إقامتك اللاإرادية بإحدى واحات "طاطا" بجنوب المغرب… ماذا استفدت من معاناة هذه التجربة ؟
** يقول تولستوي: " لكي تكتب جيدا، يجب أن تتعذب "، لقد كان ذلك في مقتبل حياتي العملية في مهنة التعليم، كانت أقرب مدينة إلينا تبعد عنا بـ : 250 كلم، لم تكن تصلنا الجرائد و كتب، كنا نستضيء بالشموع وننصت للراديو في غياب تام للتلفزيون، وكانت المواصلات مضمونة مع العالم الخارجي مرة كل أسبوع، كنت مزودا بكتبي وأوراقي البيضاء، ما عشته هناك كان معاناة حقيقية، خصوصا أن المرأة التي أحببتها لم أكن ألتقي بها إلا خلال العطل، وأعتقد أن المنفى كان عاملا حاسما في فشل علاقتي تلك مما أصابني بإحباط نفسي خطير كاد يصل بي حد الارتكاس، لقد شعرت في خضم كل ذلك بمرارة الظلم وبانعدام تكافؤ الفرص، شعرت بأني أبدد طاقتي في هذا المكان من العالم، كان الصمود في منفى كذاك، والخروج منه بأقل الخسائر هو غايتنا، خصوصا وأن المنطقة التي اشتغلت فيها ثلاث سنوات، شهدت قبل مجيئي بسنة واحدة انتحار أحد المعلمين وجنون اثنين آخرين، لقد كان وجودنا هناك أشبه بمعركة طاحنة ضد الجمود، الجمود يقتل، كان همي هو كيف أقتل وحشا اسمه الجمود ؟ ومع ذلك، كانت تجربة غنية جدا، فقد وجدت نفسي على احتكاك مباشر بالسكان الأمازيغيين، ومكنني ذلك من الاطلاع عن قرب على عاداتهم وتقاليدهم ونمط حياتهم، وذلك ما ألهمني حقا كتابة مذكراتي اليومية التي أعتبرها بحثا أنثروبولوجيا بمعنى من المعاني أحاطتني بالتاريخ الشفهي للمنطقة، وتلك مادة أدبية أولية سأستغلها مستقبلا، لقد اكتشفت هدوء الصحراء، وسحر الصحراء، خصوصا في الليالي المقمرة، كان سلاحي هو الأمل والكتب والأوراق البيضاء العذراء، بحيث كتبت مئات الصفحات، لقد ساعدتني الصحراء على تخيل أحد فرسان العصور الوسطى وهو في طريقه إلى أحد الأمراء للإعداد للثورة على ملك ظالم وهو موضوع الرواية التي كتبتها في خمسة وعشرين يوما وأسميتها " الشمس والجدران الأخيرة " لكنها تحتاج إلى إعادة الكتابة من جديد، كتبت أيضا رواية عن تجربة اليسار الجذري في المغرب، هذه أيضا تحتاج إلى إعادة الكتابة ثم النشر عندما تسمح الظروف على تحقيق ذلك، قرأت ثلاثية نجيب محفوظ وروايات أخرى له، قرأت " الجريمة والعقاب " لدستوفسكي واكتشفت لأول مرة روايات محمد شكري " ومدن الملح " لعبد الرحمان منيف وروايات أكاتـا كريستي والجزء الثاني للنزاعات المادية للشهيد حسين مروة، و" فقه اللغة " للويس عوض و" ساعات بين الكتب " للعقاد، و" رؤية جديدة في الفكر العربي الإسلامي " للطيب التيزيني … هذا إضافة إلى أنني كنت أكتب بمعدل ثلاث ساعات يوميا وأحيانا ست ساعات، وأعتقدت أن جزءا كبيرا من مجموعتي القصصيتين " العنزة لولو " و" ذكريات من منفى سحيق " إما مستلهم من أجواء الصحراء أو كتب ونقح هناك، على العموم، على الرغم من بعض المتاعب النفسية، والمعاناة، أظنني انتصرت على الجمود بالكتابة انتصارا ساحقا، لقد قرأت كثيرا، لقد كتبت كثيرا، لقد كنت موجودا.
* لماذا حضور البعد السياسي في بعض قصصك ؟
** ألا ترى معي بأن الإنسان كائن سياسي بامتياز، دعني أسر لك بأن وعيي السياسي قد تفتق مبكرا، فقد كنت أثناء مراهقتي مواظبا على متابعة ما يحدث في العالم عبر الصحف والمجلات ونشرات الأخبار، كان الآخرون يندهشون لما يرون هذا الفتى الذي لم يتجاوز سنه الثانية عشرة ويعرف جل عواصم العالم ويتابع نشرات الأخبار دون أن يفوت أيا منها، لقد كان والدي ذا تأثير علي من هذه الناحية، والولد سر أبيه، ولما انتقلت إلى المرحلة الثانوية، قرأت في تلك المرحلة بعض مقالات لينين وإنجلز وتعرفت إلى حسين مروة ودور كايم وكان اطلاعي على كتابات الدكتورة نوال السعداوي حاسما في بلورة وعيي، ذلك أكسبني وعيا علميا ميكانيكيا بالظواهر والقضايا التي كنت أعيشها، إن ذلك جعلني أنظر إلى الأدب على أنه وسيلة للتغيير علاوة على كونه تعبير عن قلق الذات ورغباتها وأهوائها، أي باعتباره انعكاسا للواقع وترجمة لنوعية العلاقات الاجتماعية السائدة، طبعا، إن للأدب استقلال نسبي عن قاعدته المادية، شأنه شأن كل البنى الفوقية الأخرى، ومع ذلك، فالأدب يعبر عن الواقع الذي أنتجه، وانطلاقا من هذا المنظور، ونظرا لتعاطفي مع اليسار المغربي في مراحل مبكرة من شبابي وكوني كنت مناضلا في صفوف الحركة التلاميذية في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن الماضي ومن ثم انخراطي في بعض المظاهرات التي عرفها الشارع المغربي خلال حرب الخليج الأولى، فإنني أعتبر انخراطي في المعالجة الإبداعية لقضايا سياسية تهم أمتي والإنسانية جمعاء انخراط مشروع، بل واجب، ربَّ سائل يسأل: ألم ينته عصر الإيديولوجيا وحضور الخطاب السياسي الطاغي في إبداعات جيل السبعينيات والثمانينيات ؟ فأجيب بأن الذاكرة العربية ذاكرة متعبة، منهكة، سرعان ما يعتريها البياض، ولا أخال الإبداع إلا منبها، منشطا للذاكرة الجمعية، دون أن ننسى أن اتخاذ السياسة خلفية للإبداع القصصي مشروط بمعطيين أساسيين: الصدق، ثم المعرفة، أن تكتب عن فلسطين، يعني أن تؤمن بعدالة هذه القضية، لا أن تكتب فيها لمجرد الانفعال والحزن العابر كما حدث بعد مجزرة جنين والانتفاضة الأولى وانتفاضة الأقصى، يجب أن تشغل هذه القصة تفكيرك وعواطفك، أما المعرفة العلمية، فتعني الإلمام بالمعطيات التاريخية والواقع الجيوستراتيجي للقضية، وهو ما يساعد على اكتساب وعي علمي، وهو أيضا ما يحصن ضد الانفعال الذي لا يؤدي سوى إلى التسطيح، وذلك ما سقطت فيه كثير من الكتابات الرومانسية التي تحدثت عن وطن مجرد، لا وطن مشخص له حدود.
* عرفتك كاتبا للمقالة السياسية ؟
** لقد كتبت المقالة السياسية منذ العام 1997، كتبت عن اتحاد المغرب العربي، ذلك الحلم المجهض، كتبت عن العراق وعن الشركات المتعددة الجنسيات، كما كتبت عن محنة عبد الله أوجلان وعلاقة اعتقاله بمستقبل سوريا والعراق وإيران وتنبأت في ذلك المقال بأن أمريكا ترى في أوجلان عقبة في تنفيذ مخططاتها مستقبلا عندما ستفكر في احتلال العراق أو إسقاط النظام البعثي بسوريا، وهو ما تحقق فعلا، وكان آخر مقال كتبته في آذار (مارس) 2002 عن صراع الحضارات بين الحقيقة والتوظيف السياسي والإيديولوجي، وفي ذلك المقال حدست سقوط بغداد التي لم تسقط بعد، آنذاك، توقفت نهائيا عن كتابة المقال السياسي لأسباب متعددة، منها تساؤلي عن جدوى ما أكتبه من تنبؤات التي لم ينتبه إليها أحد وقد تحققت على أرض الواقع، ومن الأسباب الأخرى أنني رغبت عن تشتيت جهودي بين الإبداع والسياسة، ذلك أن كتابة مقالة سياسية جادة ورصينة غير كتابة مقالة محشوة بالانفعالات وإصدار أحكام القيمة، فكتابتها تتطلب توفر كم هائل من المراجع والمصادر التاريخية لأن كل مشكلة سياسية لها جذور تاريخية إضافة إلى الوثائق، وهو ما لا يتوفر في السوق دائما، وإن توفرت، فبأسعار مرتفعة ليست في متناول موظف صغير مثلي، خصوصا وأنني مولع بالتاريخ والمشكلة التي أكتب عنها بما يعني عدم الاعتماد فقط على التصريحات الرسمية للمسؤولين السياسيين أو ما تورده وسائل الإعلام الموجهة غالبا حتى في الدول الغربية التي تدعي أنها ديموقراطية، ذلك أن المعلومات التي ترد غالبا ما تكون مفصولة عن سياقاتها التاريخية والجيوستراتيجية، فتذييل مقال سياسي بالمصادر والمراجع أتوخى منه الصدق والوفاء للمهنية، لهذه الأسباب توقفت عن كتابة المقالة السياسية منذ ذلك التاريخ.
* ما رأيك في بعض الكتاب الذين يوظفون اللغة العامية في كتاباتهم القصصية ؟
** أولا، لابد من التفريق بين الكتابة كليا بالعامية، وبين توظيف العامية في النسيج القصصي والروائي جزئيا.
        في هذا الصدد، أستحضر واقعة هامة حين طرح الموضوع بحدة في ندوة " العامية في القصة القصيرة المغربية " بمناسبة فعاليات ملتقى مشرع بلقصيري للقصة القصيرة بالمغرب، وقد تعالت أصوات تدعو إلى كتابة القصة القصيرة المغربية كليا بالعامية، واستند أصحاب هذا الرأي في دعواهم إلى أن المبدع المغربي يفكر بلغة (العامية) ويكتب بلغة أخرى (العربية الفصحى) أي أن اللغة العربية استنفذت قدرتها على التوصيل والتعبير.
        شخصيا، أنا ضد هذه الدعوة، فاللغة العربية لم تستنفذ بعد ذاتها، شعرا ونثرا، كما أن شرط الكتابة بأي لغة هو تقعيدها، ولم يكتب الإيطاليون بلغتهم (التي كانت لهجة) إلا بعد أن تم تقعيدها من طرف " دانتي "، وهو شرط لا يتوفر للعامية (العاميات المغربية)، ويبدو أن دعاة الكتابة كليا بالعامية لا ينظرون إلى الواقع اللسني المغربي المتسم بالتباين الشديد على مستوى اللهجات بين مختلف مناطق المغرب، والسبب في هذا التباين كون أنه ثمة قبائل أمازيغية تعربت مثل قبائل غياثة وصنهاجة والتسول وغمارة وجبالة على امتداد القرون الأربعة الماضية وهذا ما يجعل لهجاتهم تختلف فيما بينها أولا، كما تختلف عن لهجات القبائل العربية الهلالية التي جاءت من الشرق واستوطنت السهول الأطلنتية وسهل سايس كقبائل الحوز والشاوية والحياينة والغرب ثانيا، وبالتالي يبرز السؤال: بأي لهجة سنكتب ؟ ثمة عاميات مغربية، وهذه العاميات التي هي أدوات التخاطب اليومي تشهد تطورا هاما يوما بعد يوم، حيث تستضيف في رحابها مفردات جديدة كل يوم وكل شهر حسب المدن والمناطق، بل حسب الأحياء، وفي اعتقادي، فإن الإلمام بفقه اللغة سيزيل عن أعيننا غشاوات كثيرة، ثم إن العامية تمتع بمستوى من التجريد، لكنه مستوى لا يمكننا من التعبير عن الإشكالات الفلسفية والوجودية والسياسية الكبرى وهي الإشكالات التي تستدعيها العربية الفصيحة. من جهة أخرى، أرفض الدعوة للكتابة كليا باللغة العامية، لأني آخذ في الحسبان أن للولايات المتحدة الأمريكية أكبر مركز للدراسات اللغوية في العالم وقد أنشئ بعد نهاية الحرب الكونية الثانية ومهمته دراسة اللهجات السائدة في العالم الثالث، ويعمل تحت إشراف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA، وهذا المركز مرتبط مباشرة بالأقمار الصناعية حيث ترد عليه التقارير من مختلف بلدان العالم، وكانت الولايات المتحدة في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، تستعد لأن تتعامل بعد عشرين سنة من ذلك التاريخ مع عشرين لغة عربية، لا مع لغة عربية واحدة، كانت تعتقد أن اللهجات ستحل مع اللغة العربية، لكن ذلك لم يتحقق، ومع صعود نجم العولمة، العدو اللدود للدولة الوطنية والقومية والخصوصية الثقافية، تصاعد نجم اللهجات المحلية في الفضائيات العربية والجرائد، بل إن ثمة جرائد في مصر لا تنشر إلا بالعامية وذلك إما لتكريس الخصوصية الوطنية أو لمواجهة العولمة الكاسحة، وعلى الدعاة للكتابة بالعامية أن يتنبهوا إلى السياسة اللغوية الأمريكية في العالم العربي وأداتها الشركات المتعددة الجنسيات العاملة فيه مثل كوكا كولا وتيد وبيبسي كولا التي تغذي سوق الإشهار المحلية بملايين الدولارات وهي التي تقوم بالإعلان عن منتوجاتها باللسان الدارج، وبذلك يحطمون عاملا من عوامل وحدة العالم العربي (اللغة) إن هؤلاء الدعاة يدقون مسمارا آخر في نعش القومية، بوعي أو بدون وعي.
        أما توظيف العامية في النسيج القصصي أو الروائي في الحوار مثلا، فهو شيء محمود، وأعتقد أن هذه المسألة قد تجاوزت، ذلك أن كبار الكتاب في العالم العربي مثل نجيب محفوظ ومحمد شكري والطيب صالح ويوسف إدريس وعبد الرحمان منيف وزكرياء ماهر وبهاء طاهر ومحمد برادة كانوا قد وظفوا العامية في كتاباتهم، الأمر لا يطرح مشكلة إلا في حذق الكاتب في توظيف العامية باختيار اللحظة الإبداعية المناسبة لذلك التوظيف الذي لا يجب أن يكون مجانيا ولا يضيف شيئا للسرد.
** هل أنت فعلا ملعون بسبب الكتابة بحكم أنك اقترفتها عن سبق إصرار وترصد كما يصفك بعض أصدقائك بذلك؟
** تحل لعنة الكتابة بصاحبها، فلا يألو جهدا في اتخاذها مذهبا له، فليخلص لها، ولينأ بنفسه عن كل صغيرة قد تدنس قدسية الكتابة من طلب للأغراض المادية وطمع في المواقع، فإن الأغراض المادية تزول بعد أصحابها، وإن المواقع تتهافت إثر تقلبات الدهر وسطوة الموت، فهل نذكر طه حسين الوزير أم المفكر ؟ وهل نذكر ابن زيدون الشاعر أم وزير المعتمد بن عباد ؟ إن الإبداع الحقيقي أبقى، إنه الأبقى، وما دون ذلك فان.
 
 
Aynews
ayho
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر