القـصة القصيـرة المغـربية، إلى أين تسيـر ؟
كتبهاsakhr almohif ، في 9 سبتمبر 2006 الساعة: 11:59 ص
القـصة القصيـرة المغـربية، إلى أين تسيـر ؟
I
هي القصيرة، ذلك الجنس الأدبي المتمرد، العنيف في تمرده، كما المتأنق في تألقه، كما ورد علينا من الغرب من عهد جـي دو موباسان إلى اليوم، جنس أدبي سليل الحكاية ووليد السرد من نتاج الحراك الاجتماعي والسياسي في عهود نشأة الدولة الوطنية، وهو كفنّ، شكل من أشكال الوعي الاجتماعي ووسيلة للتعبير عن التمثلات السائدة في المجتمع عن الحياة وقواميس الكون، فكانت القصة القصيرة المغربية سليلة لشرعية الوجود في واقعها المغربي بما راكمته من تجارب وخبرات خلال عقود على يد الآباء المؤسسين وبما عرفته من تجديد على مر الحقب ما يحتم علينا الآن محاولة استشراف مستقبلها والتنبؤ بمآلها، بيد أنه استشراف محفوف بالمخاطر، وتنبؤ يضع نصب أعينه أن الحتمية مما لا يفسر منطق التطور في كل الأحوال، وليس تطور القصة القصيرة المغربية بمنأى عن هذه الفكرة إذا كان لا مناص من أن تجلو بعامة واقعها الآني والمحيط الذي أنتجها ومن ثم ترعرعت فيه ونمت.
II
القضية إذن، أن شروط إنتاج القصة القصيرة بالمغرب هي شروط أزمة اجتماعية واقتصادية، أزمة مجتمع يعيش مرحلة انتقالية بين مرحلتين وقد فاجأته صدمة الحداثة دون أن يعدّ لها العهدة، يواجه الحداثة ولم يبرح بعد مرحلة التحديث حيث يعرف ازدواجية البنى، الفلاحة العصرية في مقابل الفلاحة التقليدية والبدائية، الصناعة العصرية وجها لوجه أمام الصناعة التقليدية، التعليم الحديث مقابل التعليم الأصيل، القيم التقليدية في مواجهة الحداثة المعطوبة بتعبير محمد بنيس، أو التي لا تعدو أن تكون مجرد شعارات أفرغت من مضمونها الحقيقي، الغنى الفاحش بجانب سوء التغذية والفقر المدقع، وهذا الوضع لم ينتج سوى البطالة والجهل المركب، واستفحل الأمر بالخصخصة والتوجه الليبرالي المتوحش للدولة وعجز وسائل الإنتاج عن التطور لأسباب تمس طبيعة النظام السياسي الذي يقوم استمراره على آلية ضبط التوازنات السياسية في المجتمع لصالحه عن طريق آليات اقتصادية معروفة أهمها: آلية اقتصاد الريع وتقديم الأراضي الفلاحية للنخبة ومنحها أجورا خيالية وتقديم امتيازات هامة لأطر الدولة المتوسطة والعليا لما يعد ضربا من ضروب الرشوة، وهذا ما أفرز تقلص دور الدولة في رعاية الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم، وأفرز لنا نسبة أمية بلغت 50 % حسب الإحصاءات الرسمية، كما أفرز أمية وظيفية خطيرة في صفوف المتخرجين من الجامعات والمعاهد العليا.
وعلى الجملة، إن كاتب القصة القصيرة المغربية، هو بقوة الأشياء ينتمي إلى فئة الأنتليجنسيا التي تعيش انسحاقا ماديا ونفسيا خطيرا حسب صلاح عيسى، وهو المبدع الذي يعيش بالضرورة واقعه المغربي/العربي المتردي معزولا عن جمهوره، كيف لا، وتقليد القراءة لم يترسخ بعد في التربة الاجتماعية كسلوك يومي بفعل غياب التربة على القراءة عن التنشئة الاجتماعية سواء في المدارس أو بين أحضان الأسر، فليس مستغربا أن تتدنى نسبة مقروئية المجاميع القصصية مما يؤشر على تناقض صارخ بين الإنتاج والتوزيع، حيث شهدت حقبة التسعينيات حركة مهمة في النشر (130 إصدار) لكن من بين ألفي نسخة من الأضمومة القصصية " ققنـس " للأستاذ أحمد بوزفور لم يتم بيع سوى الربع من مجموع النسخ، ولعل أحد أسباب هذا النكوص كامن في عدم مواكبة النقد لهذه الدينامية خصوصا على صفحات الملاحق الثقافية للجرائد الحزبية الكبيرة، الأكثر مبيعا ومقروئية.
التخلف عن المواكبة هذا، كان ولا يزال صدى لصمت ممنهج مسلط من طرف قاصّي ونقاد الأجيال السابقة على المتن القصصي الذي يكتبه جيل التسعينيات، وهو صمت يجد مبرراته الموضوعية في تقاطع الثقافي والسياسي خلال أزمنة صراع أحزاب الحركة الوطنية الرئيسية مع النظام، حين كانت تعمد هذه الأحزاب، إلى استقطاب الأطر والمبدعين إلى صفوفها في نفس السياق السالف الذكر، وهذا طبعا، ما حتم بروز القبيلة الإبداعية الحزبية حين بات النشر على صفحات هذه الملاحق حكرا على المنتسبين إلى هذه القبائل أو المتملقين للأسماء المعروفة والذين يدينون لهم بالولاء، كما انخرط مبدعون آخرون في السباق نحو المناصب الوزارية أو نحو دواوين الوزراء كمستشارين لهم بعد التناوب التوافقي، وساهم ذلك بعد اغتنائهم (غير الفاحش) في ابتعادهم عن الإبداع فضلا عن النقد والالتفات إلى التجارب الجديدة في الكتابة، وزاد الطين بلة أن قاصّين آخرين أعلنوا صراحة عن تضايقهم من الوجوه الجديدة ونعتوهم بسوء الأدب وغلمان الأدب، خوفا على امتيازاتهم في السفر والنزول في الفنادق الفاخرة وهلمّ جراً وكسرا ونصبا، فعانت القصة القصيرة من ظلم ذوي القربى، لأنانيتهم وتفضيلهم مصالحهم الشخصية على خدمة الفنّ، على خدمة الأدب، خصوصا أن المؤسسات الثقافية الحكومية تحولت إلى سحق المبدع، على الرغم من طبع بعض المجموعات القصصية والدواوين الشعرية، بالضرب صفحا عن نتاج مكابدته.
III
في ظل هذه الشروط، لابد أن يكون المنتوج القصصي وافرا جدا، ولابد أن تنبئ هذه الوفرة بالاختلاف والتعدد في طرق الكتابة وأساليبها ورؤاها الفنية كما تنبئ هذه الوفرة بالانفتاح على حقول معرفية أخرى وضروب فنية متنوعة من تشكيل وسينما ومسرح مع مواكبة ما أفرزته الثورة الصناعية الثالثة من تأثير على المشهد الإبداعي مثل توظيف الإعلاميات سواء من خلال المضامين أو النشر والتوزيع أو من حيث التوظيف في الفضاءات التي تدور فيها أحداث القصة القصيرة، غير أن ذلك لا يعني أن طفرة كاملة قد تحققت أو أن قطيعة إيبستيمية قد حدثت، ولا تعني وفرة المنتوج الجودة بأي حال من الأحوال وإن كان ذلك علامة صحة وصحو، لا دليل وهن أو رخاوة همم، لذلك، فإن استشراف المستقبل لا ينطلق إلا مما هو متاح حاليا في الواقع من معطيات، ذلك أن الراهن الذي يزخر بتعدد الملتقيات الخاصة بهذا الجنس الأدبي في الزمان والمكان، وهي الملتقيات التي تساهم في التأصيل النظري وترسيخ الوعي النقدي، يعرف موجة مجنونة عنوانها التجريب، بالشكل الذي يجعل السؤال عن ماهية هذا التجريب مشروعا ومطروحا بحدة، فهل كان التجريب محاولة واعية لخلق أفق تلق جديد عند القارئ المغربي ؟ أم هو محاولة تتغيى الإجابة الإبداعية عن سؤال الهوية ؟ أيمكن ركوب موجة التجريب دون وضع حدود فاصلة بين الفوضى والإبداع ؟ بمعنى آخر: ماذا نجرب، كيف نجرب، ولماذا نجرب ؟ ولعل طرح هذه الأسئلة للنقاش سيفيد القصة القصيرة مستقبلا خصوصا فيما يتعلق بعلاقة التجريب بالمتلقي.
إن القصة القصيرة تسير عموما إلى مزيد من الانفصال عن الجمهور بالنظر إلى رهان الكتاب كثيرا على الشكل في منحاه التجريبي وذلك على حساب المضمون ووضوح الرؤية الفلسفية والإيديولوجية، ومن المؤكد أن هذا الوضع سيستفحل مستقبلا وقد يزيد ذلك في درجة الجفاء بين القصة والمتلقي وسيعمق لا مقروئيتها في تربتها ومن ثم اقتصار تداولها فقط على النخبة أو نخبة النخبة، خصوصا أن علاقتها بمحيطها وشروط إنتاجها وطيدة جدا.
إن مستقبل القصة القصيرة رهين بتجاوز السلوكات السلبية المنتهجة من قبل بعض مبدعي الأجيال السابقة، لا إعادة إنتاجها من جديد كما هو سائد اليوم، للأسف الشديد، من قبيل النقد الإخواني الذي يسيء أكثر مما يفيد ويساهم في خلق الفقاعات الإبداعية، وقد استشْرَت هذه الظاهرة بشكل خطير بين قاصي الجيل الحالي، كرد فعل على ما عانوه من طرف من سبقوهم، وبالمناسبة، لابد من التأكيد على ضرورة فصل السياسي الحزبي عن الثقافي بما لا يعني انفصال الكاتب عن هموم شعبه وأمته وتطلعاتها، بل يعني ذلك تفكيك القبيلة الحزبية الثقافية وعزلها وتدميرها، حيث سينجم عن ذلك مواكبة النقد للإنتاج القصصي مواكبة تراعي الأمانة العلمية وروح البحث العلمي الرصين المترفع عن الصداقات والإخوانيات والأهم من ذلك كله التشبع بالروح الوطنية الصادقة، وهذا بيت القصيد.
وإذا كان الراهن ينبئ أيضا بتكتل القاصين في جمعيات ومنتديات، وهو من الظواهر الصحية، فإن من اللازم تعزيز هذه الشبكة بخلق نواد أخرى، شريطة النأي عن روح القبيلة التي تستوطن أعماقنا حتى لا تتم إعادة إنتاج السلوكات السابقة التي أشرت إليها سالفا والخوف كل الخوف من أن تتحول هذه المنتديات إلى قبائل صغيرة ينتصر أفرادها بعضهم لبعض وتغلق بالتالي أبوابها دون الآخرين، وذلك مشروط بتبني النقد الذي يستوعب الأصول المعرفية للحركة النقدية العالمية ويؤطر المعارك الفكرية النبيلة في هذا المجال خدمة للجدل النظري الحقيقي الذي يقود إلى عملية تجاوز حقيقية لما هو موجود ضمن مقولة نفي النفي وصراع الأضداد.
إن اكتساب كاتب القصة للوعي التاريخي وبلورته فنيا، في انسجام تام بين الشكل والمضمون، شرط أساس لتطور الجنس القصصي، علما أن الوعي التاريخي يعني استيعاب القاص للتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها البلاد في سياق عالمي يدخل ضمن إطار جدلية الداخل والخارج، ذلك الوعي الذي لن يتحقق إلا باستيعاب روح الثقافة الشعبية في تجسيداتها المختلفة، من حكايات شعبية وأساطير ورقص وأهازيج ومعمار، باختصار، كل ما يمثل الرموز الثقافية، خصوصا وأن الواقع المغربي غني بما لا يقاس بتاريخه وثقافته.
IV
إن مستقبل القصة القصيرة المغربية، يوجد بين أيدي رجالاتها، هم وحدهم من يدافعون عنها ويمدونها بأسباب النمو والتجديد، هم بتضحياتهم المادية والمعنوية الجسيمة، يستطيعون بطهارتهم، الترفع عن التهافت على المواقع، تلك التي حولت مبدعين سابقين إلى جنيرالات يمارسون الرقابة بطريقتهم الخاصة في واقع يعيد إنتاجها بأشكال أخرى، واقع كاريكاتوري وسريالي بامتياز.
صخـر المهـيـف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























