حــــــــــــــوار/قصة

كتبهاsakhr almohif ، في 17 سبتمبر 2006 الساعة: 20:09 م

 

 

حــــــــــــــوار
   سرب
 
 
 من الطيور يهاجر بعيدا، يبتعد في قلب السماء مثل حلم يتمدد في ذهن الإنسان، ليس كل ما يلمع ذهبا… أعطيت لنفسي أكثر من حقها في حمل الأعباء والذاكرة صارت مثل نعش لوقائع غير منطقية فتهفو النفس إلى رنين نداءات بعيدة كل البعد، اللعنة، يستحق الإنسان الشفقة طالما أنه لم يستفد من الخطأ الأول، يرنو إلى أمل كاذب لا يستحق أي اهتمام، فتسخر نفسه من طي صفحات الماضي البعيد..
أنا يا حبيبتي سقيت كل العالم بروحي الماردة، وفي يدي لمع الرعب كشوق ملتمع في سجن الليل، اغترفت الألم من بين أناملك الغضة وفي عينيك سكبت روحي ومن شفتيك استلهمت حقائق التاريخ فطرت على جناح طيور الحب إلى أوكار العشق المحترقة… كي أكتوي، أجل، ليس هناك أعظم من تلذذ الألم حيث الحب وكر لطيور الأسى وحيث صقور العذاب تنهش قلبي الميت، هناك بعيدا… أضنتني ثواني الانتظار القاسية… كنت مثل عاشق طروادة أحرق مدينته من أجل عيون هيلينا… ألم أكن مستعدا لمحاربة كل العالم من أجل عينيك ؟ ولما قالوا:
- العالم ضدك أيها العاشق ؟
قلت:
- وأنا ضد العالم.
العالم جبار لا يرحم، لكن قلبي عنيد كالصخر، كبير كالحياة، وفي قلبي حملت البندقية والسيف كما حملت نار العشق والحياة، وفي قلبي اختزنت كل العذابات وحب جميع الناس بدون استثناء، ها السماء أصبحت خالية من الغيوم الرمادية العاصفة، ولكن سنين الانتظار طوت الحلم وأقبرت العشق والحب.
الآن سافرت بعيدا بعدما صودرت مني كل الأماني وصارت الحياة مرآة للغم ملتعج بصبابة اليأس… الناس يحملون الأحلام… الأحلام كبيرة… النفوس ضاقت بأصحابها خارج حياة مقفرة ولذلك أخذ الحالمون يبحثون عن المفاتيح التي تتيح لهم أن يخرجوا بواسطتها من أنفسهم… الأحلام كسرت الأقفال فأباحت للناس أن ينطلقوا دون أن يسرحوا في ساحة الحياة التي ما برحوا يلعنونها من أعماق أعماقهم.
قلت لك أريدك قوية كالموج عنيدة كالجبل حتى يكون ابننا مثل أمه الماردة، ابتسمتِ في إشفاق علي فقلت لنتركه يعيش الحنان والعطف ولما قلت يجب أن يكون ولدنا راعي غنم وعالما كبيرا سخرتِ من قولي وقلتِ هذه فكرة عاشق مجنون لكنك لا تعلمين أنني أريد ابني كالجبل الذي تنكسر على سفوحه أمواج الريح الساخطة، أريده يسخر من الذين يخرجون من أنفسهم بمفاتيح صنعوها من معدن الحلم الرخيص…
تمضي الحياة كقطار على سكة طويلة وتستغرق الرحلة زمنا من الشقاء والسعادة، الحلم يأتي على أطباق من نور، يتوارى زمنا ويعود ليخرج النفس من صفاء عهود ولت دونما شعور بالسعادة وفي نفس كل منا شر مستكين يضرب بجذوره في الأعماق يحاول أن يخطف منه نور السعادة دون أن يرف له جفن الحذر وضلوعنا تسحقها نشوة ظفر كاذب على عدو لا وجود له، هكذا نستيقظ يا حبيبتي على مفاجآت لم نضرب لها حسابا لمجرد أننا نقول لا، وهذه ال "لا" غالبا ما تجلب لصاحبها كابوسا مزعجا لا حلما جميلا كالآخرين، يصبح الفؤاد زنزانة والضلوع قضبان سجن لأمثالي.
************************
أنت يا عزيزي شمعة تحترق، كجمرة تشتعل ليستدفأ الآخرون من حولك… ولكنك في الحقيقة لا تحرق إلا نفسك، أشعر بالقشعريرة دائما حين أتذكر أن الحياة مجرد حلم جديد بالنسبة إلى من يهب نفسه للبحث عن المباهج، أنت تحاول أن تخطف الرماد من جبينك كي تذره على الآخرين.
هل تذكر يوم كنت محطمة القلب، هناك في رحلة السفر البعيدة الشاقة، تخلفت عن الركب فانتشلتني من يم الضياع، كنت أرفض الحياة، على باب قلبي وضعت أقفالا حديدية حتى أمنع ريح الهوى من أن تعصف بحياتي الهادئة غير المتزنة، لا يعرف أي إنسان متى يحب ولا من سيحب ولا إلى أين سينتهي الحب، أنت يا حبيبي مندفع في كل شيء، تلاحقك اللعنة، أمواج الرماد تتهاوى إليك مثل سيف مسلط على رقبتك، فأنت لم تستطع أن تؤمن بأن العالم قد ضاع من بين يديك وبأن العالم منذ زمن بعيد قد غرق في بحر من الأوهام الممتدة على بساط من الخوف، أعرف أنك كنت تبحث طوال حياتك عن امرأة ما، تكون بحجم حبك لها، ولما التقينا، كنت تعيش لحظات نصر مزيف… أما أنا، فكنت مثل كتيبة مندحرة، تعلقت بأي أمل للهروب… ففي هذا الوجود نصارع الكآبة بالفرار إلى قدر آخر، وقد كنت ملاذي ، للأسف الشديد … ألم تجدني هائمة على وجهي، يائسة من نفسي، أسير دون اتجاه كعاصفة تئن حدتها شيئا فشيئا ؟ نورك كان يهديني إلى ضآلة عمري، فأرى الطرق بوضوح، تعلمت أن قوة الإنسان تكمن في عقله… انتظرت معك مولودا، لكنك… لم تكن في الموعد… طرقت أبواب قلبي الواحد تلو الآخر، وعلى الرغم من أنني كنت أصدها بإحكام إلا أنك كنت تحمل معك السلاح المدمر… لقد ألهمتني القوة التي افتقدتها منذ زمن بعيد فصرت أسير على الأشواك غير مبالية بالألم والنحيب.
****************************
أعرف يا عزيزتي سرّ كآبتِك… فالإنسان الذي لا يعرف ماذا يريد، يعيش كأفعى رقطاء تتلون حسب فصول الحياة… إنني لا أبغي اللوم أو الرأفة بأحد، الأيام تمضي كلعبة مغشوشة تستغرق منا كل الوقت ولا يربح في آخر المطاف إلا طويل النفس قوي الشكيمة، أحب كل الناس، لهذا تجدينني كئيبا دوما، أريد لابني أن يكون عاشقا مثلي… أحلم بالبدر يرسل ضوءه الخافت لينشر الأمن على الجميع وأجعل أوتار قلبي منبعا لنغم حزين يطلق الموت في ربوع الجوع، أحلم بأن تصير يداي بندقية تطهر الأرض من الأرامل واليتامى، فيطير غصن الزيتون في السماء كبركة إلهية… لكن أحلامي تجعلني منبعا لسخافة أسطورية، تقولين سأذهب معك في حلك وترحالك وها أنت تتعبين في أول الطريق ولا تستطيعين عصيان الأفق الرمادي، شفتاك تكتنزان سحر الأنثى… منذ سنين كثيرة، وأنا أبحث عن امرأة كاملة… تظل أطياف هذه المرأة تلاحقني في حلم يقظتي، تقول لي إن الرعب سيلمع هناك من حيث لا ندري، إننا نجري سويا فوق أحصنة الموت، ننشر الخير ولون الخبز في كل مكان، نقتلع الجوع من البطون الخاوية، هكذا، يرفع الناس رؤوسهم شامخة، أما أنت، فتعشقين فقط لون الربيع، تدفعين بنفسك في حضن الرغد الفاجر وتقولين إن الإنسان يعيش عمرا واحدا فقط فتكنسين دماغك من كل أمل إنساني… ابننا، تجعلينه إلها صغيرا للسطوة، حاولت أن أجعله شرارة للجمال والقوة كي يقهر عدو الإنسان الأول، أردت ابننا شرارة تنبع من شعور الناس بعالم يجب أن يتزحزح من مكانه إلى خارطة أخرى حيث تكثر السعادة كنبات الفطر وهي تنتشر في الربوع المنبسطة فوق أيام الربيع الزاهرة، هذا الطفل يقتات بعيدا من فضلات الآخرين، يمشي حافيا ويجوع، يلتهم أوراق الصحف، يتيه في فضائحها، يكنز الرهبة في جوفه، وينتصر كلما دقت طبول الحرب… الأجساد العارية تنتشر في كل مكان كهياكل جافة… من بين الأفخاذ يسيل دم العذارى في بحر الوهم… الحب بضاعة في سوق الكدر والمجتمع الكئيب مثل ظلمة الليل، تضيع نفسي غضبا كلجة البحر، ليس هناك من يحلم بالبندقية، ليس هناك من يحلم بالحلم الجميل نفسه، أصير كلعبة القدر في مصير الموت، حيث لا أعلم كيف ستنتهي اللعبة… ليس هناك أقسى من أن يطعن الإنسان في ظهره حيث كل شيء يستهلك نفسه.
**************************
لآخر مرة أقول لك سوف تتعب في هذه الحياة كثيرا حين تصر على ألا نكون مثل الناس وحين تصر أيضا على ألا يكون جميع الناس مثلنا، في الحياة تتورد الخدود من كثرة حب وهمي… بعض الخدود فقط، قليلون هم الذين يؤمنون بأن الحب… مثل الله، خالد لا يموت… هل أصارحك ؟ طيب … لقد جعلت من حبك معركة حياة أو موت… فماذا تختار ؟ قد ولى زمن عنترة وسيف بن ذي يزن، زمن الفوارس ولى، حوتهم مقبرة التاريخ إلى غير رجعة ، لكنك لا تزال مصرا على التسلح بالوهم والحلم…
دائما تريد الخروج من نفسك لتتقمص أدوارا لا تناسبك… أرجوك، لا تزعج نفسك بما لا يعنيك، لقد صنعتني من جديد، لكنك تدمر في كل مرة جزءا من صنعتك، أنت تنتظر مني أشياء أكبر من طاقتي، إنني أنثى وأنت لم تفهم بأن عليك أن تتغير، لأن العالم قد تغير… إنني أهوى جنونك وسطوتك في ميدان الحياة، حبنا التمع في ظل النهار… لقد بدأ يخبو… لكنك لا تعلم أبدا، بأنني سأظل في حاجة إليك، فما قولك ؟
 
صخر المهيف
فـــــاس
 
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر