الحمــــــار/قصة
كتبهاsakhr almohif ، في 17 سبتمبر 2006 الساعة: 20:10 م
الحمــــــار
- كيف كانت بدايتك في الميدان السينمائي؟
- ثمة أشياء طريفة بودي أن أحدثك عنها ليتعرف إليها الجمهور، حتى يدرك مدى تعاستنا نحن معشر الممثلين، ولكن لا بأس من أن أعرج قليلا على زمن البدايات، ففي الحديث عنها ما يجلب السلوى إلى النفس، ذلك أنني لما طرقت أبواب هذا العالم الساحر، ومنيت النفس أن أوفق في مسعاي، جازما بأن كل شيء سيسير على ما يرام، بيد أن لا شيء حدث من ذلك، فبعد انتظار مضن دام ثلاثة شهور دون أن يسفر عن شيء، اضطررت إلى الاشتغال بالتجارة في السلع المهربة، ثم نادلا في أحد المطاعم الشعبية، حتى كدت أنسى أنني خريج قسم التمثيل حتى كان ذلك المساء حين وصلتني رسالة من أحد المخرجين، وكنت قد تعرفت إليه لما كنت طالبا في المعهد، يدعوني فيها لأداء دور صغير في فيلمه الجديد، كانت فرحتي عارمة، قفزت إلى أعلى مرات كثيرة حتى اشتكى الجيران لأمي متسائلين عما يجعل السقف يهتز فوق رؤوسهم، فقد كنت مؤمنا بأنها البداية فقط.
أسرعت إلى منزل عمي، اقترضت منه خمسمائة درهم زادا للسفر، اكتريت بذلة زرقاء داكنة مناسبة للدور الذي سألعبه، ثم ذلك بناء على طلب المخرج، هو السعد يطل من شرفة الفجر وقد كان حريا بي أن أهدهد به أرجوحة تلك إلى أقصى مدى حتى كادت تتخطى حدود اليقظة في سفر إلى حيز لا حدود له ولا أبعاد، فكان أن خرجت مع صديقتي إلى أجمل حدائق المدينة، فيها تناغمت حواسنا، افترشنا الخضير أمام قبة البرلمان، السماء التي كانت صافية فوقنا لم تتزحزح من مكانها و الطيور التي كانت تملأ الأشجار بشدوها تشرئب بعنقها إلى ما كنت أحمله من أوراق، قلت لصديقتي:
- أخيرا سأظهر في السينما.
أطلقت صرخة فرح عارمة ثم شدتني من ذراعي بلهفة :
- حقا؟!
- سأتوجه بعد غد إلى وارزازات…
أخذ الحلم يدغدع عواطفي وصارت الأماني تحلق بي إلى الأعالي، وفجأة، وكمن استنفذت ذخيرتها من الحلم، أسرعت الخطو ولم تلتفت إلي ثم قالت:
-عليك بشراء حذاء وسروال جديدا.
وأردفت عندما توقفت عند نخلة ومدت إليها ذراعها ثم انكفأت برأسها محدقة في:
-سيكون لك شأن، فلا تنساني عندما تسلط عليك الأضواء.
لكنني لم أعمل بوصيتها، لم أكن أعلم بأن الأضواء عندما تسطع بقوة، فإن القلوب غالبا ما تعمى.
_ما الذي ميز أجواء تصوير أول أعمالك؟
-دعني أقول لك بأن التوتر كان يسود بين العاملين بين الفينة والأخرى، لكن ذلك لم يعقنا عن إتمام مهمتنا، ومن ذلك أنني قبل بداية التصوير بيوم واحد، سلمني مساعد المخرج ثلاث صفحات وطلب مني قراءتها وحفظ الحوار المكتوب فيها، وهو حوار يخص شخصية التاجر التي سأتقمصها، تبينت أنها من السيناريو ذي المائتي صفحة، اعتقدت بأن مساعد المخرج نسي أن يمدني بالنسخة كاملة حتى يمكنني الإطلاع عليها من الإحاطة الشاملة بحكاية الفيلم وشخوصها والحيز الذي تدور فيه أحداثها والرسالة التي تحملها للمتلقي حتى أتمكن من استيعاب دوري جيدا، لكنه بادرني بالقول:
-ذاك يكفي، أتظن نفسك في هوليود؟
قلت بعصبية:
_أجل،
_هذا غير معقول.
توترت أعصابي، تدخل مدير التصوير لحسم الخلاف، وتفضل المخرج وقدم لي ملخص قصة الفيلم، فوجئت بأن السيناريو والحوار مكتوبان باللغة الفرنسية، أما ترجمة الحوار، فكانت تتم في البلاتو قبيل التصوير، وقد حفظت الحوار بسرعة، ولما نودي علي ارتجف قلبي، وقفت داخل الدكان ببذلتي الزرقاء الداكنة، ألقيت جملة واحدة وانتهى عملي في ذلك اليوم، غير أني لاحظت بأن المخرج لم يطالب بإعادة تصوير أي لقطة، كان يكتفي فقط بإصدار الأوامر، وبدلا منه يقوم التقنيون باختيار زوايا التصوير، وقد كنت مقتنعا تمام الاقتناع بأن المشهد الذي ظهرت فيه، كان ينبغي أن يصور في ثلاث لقطات بدل لقطة واحدة وذلك لأن هذا المشهد يجسد لحظة حاسمة في سياق حكاية الفيلم، كما أنه يمثل انعطافا مهما في حياة الشخوص الرئيسة، وقد دلفت إلى المخرج لهذا السبب وقلت له:
-يستحسن أن تأخذ لقطة بعيدة للدكان قبل أن تلتقط لقطة متوسطة وأخرى صغيرة لهذا المشهد.
لم يكلف نفسه عناء الرد مما بعث الحماس في نفسي وجعلني أتابع حديثي باندفاع:
-ذلك سيخدم الفيلم من الناحية الجمالية وسيبعث فيه روح التشويق.
نظر إلي مقطبا وصاح غاضبا:
-ماشي شغلك.
-مجرد اقتراح.
ألفيت المخرج لا يعيد تصوير اللقطات إلا نادرا، ودهشت وكثيرا لما أنجزنا الفيلم في ستة وعشرين يوما فقط، ولم أندهش لما علمت أن أحد أصدقائه أعاره الفيلا، وقد ادعى كذبا أنه اكتراها وضمن ذلك الافتراء ضمن بيانات المصاريف، هذا الكلام أضعه بين قوسين، فقد أويت إلى الفندق متشنج الأعصاب بعد الذي وقع مع المخرج، كدت أشتمه بكل ما أعرفه في قاموس السباب لولا خوفي من المستقبل إذا تفشت سيرتي بين المخرجين فلا ينادي علي أحد منهم للعمل معه بعد ذلك، ولأقربك يا عزيزي أكثر من الصورة، فسأسرد عليك تفاصيل أخرى لعلها تجدي نفعا في إضاءة بعض العتمات، لقد استرخيت طويلا في الغرفة استدرارا لتركيز مفقود، وعلى حين غرة، دخل علي مهندس الصوت الفرنسي صحبة عجوز مغربي وطلبا مني أن أصحبهما إلى فندق النجمة، هناك اقتعدنا في ركن قصي بالقرب من المسبح وكانت بجانبنا نخلة سامقة تحيينا، حدثنا العجوز عن ذكرياته الغابرة مع مخرجين أجانب عمل معهم، اقترب برأسه مني وكأنه يفضي إلي بسر خطير:
- سبق لي أن اشتغلت في فيلم كلادياتور وكنت أتقاضى مائتي درهم لليوم الواحد، ولم يكن معي حمار.
سألته بفضول:
-وكم تتقاضى الآن؟
-أربعون درهما، بدون حمار…
-والحمار؟
ابتسم وهم بالإجابة عن سؤالي لولا أن مر بجانبنا رهط من الأجانب ، عرفت من لغتهم أنهم من الجرمان وكان العجوز على معرفة بهم، تبادل معهم التحية، ثم سرقت الشيخات انتباهنا عندما شرعن في الرقص، ظهر المخرج بغتة ومعه بطلة الفيلم ومدير التصوير الفرنسي، كان مساعد المخرج حاضرا أيضا، بات ينظر إلى الأضواء المنعكسة على صفحة ماء المسبح تارة، وإلى الممثلة تارة أخرى، شرب بنهم، ولما انبعث صوت الموسيقى الهادئة، وترك الشيوخ و الشيخات مكانهم، وجدت الممثلة نفسها واقفة تنحني برأسها على كتف المخرج، أما يده اليمنى فأحاطت بخصرها وتشابكت يسراه بيسراها، والتصق اللحم باللحم والتف الساق بالساق.
-وماذا عن أجرك؟
-عن أي أجرة تتحدث؟ سأعود بك أولا إلى زمن مضى ، إلى فندق النجمة، هناك وقعت على أول عقد عمل للسينما بأجرة خمسين درهما لليوم الواحد، إضافة إلى ستمائة درهم هي مصاريف التنقل، ليلتها بت هانئا، أخذت أخطط لما سأفعله بالمال، فكرت بداية في شراء تذكار لصديقتي وثوب لأمي وبلغة لأبي، لكن مزاجي تعكر لما تذكرت أن علي ديونا يجب علي قضاؤها لعمي وفي غمرة التفكير، نسيت أ ن أسأل العجوز عن أجرة حماره.
-كيف سارت الأمور بعد ذلك؟
-بكل صراحة، إني أراها الآن بشكل مختلف، فقد سلطت الصحافة أضواءها علي بعد مشاركتي في المسلسلات السورية، أعترف لك بأن أدائي تطور كثيرا بفضل المخرجين السوريين وصرت بعد ذلك أفرض شروطي على شركات الإنتاج.
-ما هو أغرب شيء مر بك في مسارك الفني؟
-أثناء مشاركتي في أول عمل سينمائي، كان الأستوديو مجهزا بمدود حمار في زاوية قصية، رأيت حمار العجوز أنيقا بعنقه المشذب دائما، وبردعته المزركشة، وخلافا لإخوته وأبناء عشيرته، فقد وضع صاحبه لجاما جديدا في فمه، كالتي يلجم بها الفرسان جيادهم، وكان ينعم فوق ذلك بكمية وافرة من الشعير، وأذكر أنه كثيرا ما كان يقطع الصمت السائد بنهيقه المسترسل ولم يكن يتوقف إلا بإذن من العجوز، وقد أحببت الحمار فعلا، كان لطيفا، لكن الجفاء ساد بيننا عندما اقتربت منه ذات مرة محاولا إقناعه بالتوقف عن إرسال نهيقه، أطاع أمري أمام استغراب الجميع، شعرت بالزهو، أما هو فأرخى أذنيه الطويلتين وصوب نحوي نظراته ثم استدار إلي بمؤخرته وركلني في ركبتي ما ألزمني الفراش يومين متتابعين، استأنف النهيق بقوة، اضطر المخرج إلى إبعاده خارجا، فالعجوز لم يقنعه لأنه كان غائبا.
ولما جاء العجوز في المساء ليعودني، أعرب لي عن أسفه الشديد ومتمنياته لي بالشفاء العاجل، وجدتها فرصة مناسبة لأسأله:
-كم تتقاضى عن حمارك؟
رد العجوز غاضبا:
-بل قل كم يتقاضى حمارك؟
فقلت وأنا أشد على ركبتي من شدة الألم:
-وكم يتقاضى حمارك؟
أجاب بزهو:
-ثمانون درهما.
صخر المهيف
أصيلة دجنبر 2004
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























