صورة المعـلـم في الإعـلام المـرئـي المغــربي
تقـديــم:
ليست الصورة في حقيقتها إلا معطى موضوعيا يتضمن رسالة يبعث بها مرسل يساهم في تكوينها وتشكيلها عبر وسائل مختلفة إلى متلقّ مفترض (1)، سلبي في أغلب الأحيان بحيث يستقبل المعلومات التي تتطبع في مناطق اللا وعي أكثر من مناطق الوعي فتتأسس بذلك علاقة تربط بين طرفين مختلفين، متباعدين في الزمان والمكان، أي أنهما يتواجدان بالضرورة في موقعين متباينين. إن لفظ الصورة، كمعطى جمالي، يدل في الحقل التداولي اللغوي العربي على الهيئة والشكل والنوع والصفة، ويقابلها في اللغة الفرنسية image المشتقة من الجذر اللاتيني imitari بمعنى التقليد ويقابل الصورة أيضا Figure التي يعود جذرها إلى الكلمة اللاتينية Fingere بمعنى التشكيل والتركيب والتجهيز والتنظيم (2) ولكنها ملفوظات تحيل على النقل الفني لمعطيات الواقع الخارجي بواسطة أدوات متعددة تتوزع على أجناس فنية مختلفة.
وقد ورد في القرآن الكريم: (…………………………………………………..).
بمعنى أن الصورة ملازمة للخلق، مسايرة له، والصورة كما تحدث عنها الدكتور محمد أنقـار في حقل الرواية، باعتبارها نقلا فنيا، ومعطى جماليا كما سبق ذكره، هي أيضا محسن بلاغي ومعطى جمالي دال على انزياح فني، وهي- الصورة- ليست دائما مجازية (3)، وذلك بحسب الأجناس التعبيرية التي قد ترد فيها،، فقد تكون مجرد تقدير كمي، وقد تكون الصورة استبدال شيء بشيء آخر أو تشبيه شيء بشيء آخر فتأخذ صفة محسن بلاغي.
إن الصورة، تنتج في الأجناس السردية والشعر بوساطة اللفظ، أما في المرئيات والدراما، فتنتج بوساطة اللقطات التي تتضمن عناصر مختلفة تشكلها، كالضوء (الإنارة) والألوان، الزمان (ليل أو نهار) الديكور، الملابس. هذه كلها تنتج صورة، فالملابس السوداء، والإنارة المعتمة، مثلا، هي صور لأشكال، وهيئات لها مدلولات محددة واضحة: كالحزن والموت، القلق، الفرح، وكل ذلك يتم في إطار العلاقة بين الجزء والكل وعلاقة الكل بالجزء يأخذ منحى استبداليا.
وبالعودة إلى العلاقة بين المرسل والمتلقي، وهي العلاقة التي بدونها لا تأخذ الصورة قوتها الوظيفية، فإن هذه العلاقة تتميز باللاتكافؤ، باعتبار أن المرسِل، غالبا، ولا أقول في كل الحالات –ما يتخندق في موقع الهيمنة اتجاه المستقبل، لأن المرسل يتمتع بتفوق فكري ومادي يسمح له بصياغة واقع جديد عبر المتخيل الذي تجسده الصورة، ومن خلال هذه الصياغة يستطيع المرسل أن يمرر وجهات نظر ومواقف محددة اتجاه الظواهر التي يعالجها- أي الظواهر والموضوعات التي تتشكل في الصورة بأبعادها المختلفة.
إن أهمية الصورة، تنبع من كونها لا تتيح لمتلقيها إلا إمكانات قليلة جدا لتحليلها وتفكيك عناصر الخطاب فيها، وأعني الصورة التلفزيونية والسينمائية خلافا للصورة الروائية أو الشعرية التي يستطيع متلقيها أن يتخذ إزاءها موقفا نقديا واضحا ومسؤولا باستخدام آليات جديدة في التلقي، أي آلية التأويل والتمثل وما يصاحبهما من مشاركة المتلقي المبدع في عملية الإبداع بإنتاج الدلالة.
إن الإعلام المرئي يشد عما سبق استعراضه بخصوص الصورة، فالصورة في الإعلام المرئي أثناء التلقي، تسمح باستخدام حاسة أخرى زيادة على حاسة البصر، إنها حاسة السمع التي تلتقط مؤثرات سمعية أخرى تصاحب الصورة مثل وقع الأقدام، صهيل الخيل…ونظرا لقصر هذه الصور التلفزيونية والسينمائية المبثوثة، فإنها لا تسمح للمتلقي بالحذر اتجاه ما يتلقاه وهذا ما سمح للإعلام المرئي، أن يساهم في تشكيل وعي جمعي اتجاه مختلف الظواهر بما يملكه من وسائل التأثير والانتشار الواسع.
الصورة والوعــي:
إن محاولة تشكيل وعي جديد أو تكريس وعي قديم أو تجديد بعض عناصره، لا تمر بالضرورة من تمرير خطاب مباشر هو نفسه عنصر من عناصر الصورة المرسلة، بل إن هذه المحاولة تتخذ لها خطابا يتماهى مع الصورة المرئية إذ تحضر فيها عناصر فنية متعددة كالنقل الفني والتشبيه والمجاز والانزياح الفني وهي المزايا التي تمكن من المساهمة في خلق واقع يبدو حقيقيا للوهلة الأولى باعتبار العمل الفني محاكاة للواقع، نقل له، يتضمن عنصر التطهير كما هو شائع عند الحديث عن وظيفة الفن بصفة عامة والدراما بصفة خاصة، إن للصورة مكانة متميزة وخصوصية تكمن أساسا في علاقتها الجدلية بعناصر الواقع البسيطة، فثمة عناصر تنتج الصورة كما أن الصورة تتضمن هذه العناصر الواقعية في عناصر أخرى تشكلها في واقع افتراضي، غير واقعي، له وظيفة محددة حسب طبيعة المرسل.
إن ما يعزز مكانة الصورة، هي مساحة التلقي التي أخذت تكبر يوما بعد يوم منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بفضل انتشار الهوائيات المقعرة والشبكات التلفزيونية الرقمية وذيوع خدمات الأنترنيت وتطور تيكنولوجيا إنتاج الصورة ودخول الكمبيوتر إلى دائرة إنتاج الصورة، إنتاج عالم افتراضي بالكامل لم يكن متاحا من قبل في زمن قصير عما كان عليه الأمر من قبل، وقد بات الأنترنيت يلعب دورا مهما في نقل الصورة بوساطة الموجات الضوئية، إنها الصورة الإلكترونية التي غدت أيضا، مشكلا من مشكلات الوعي الحسي.
وما دمنا نتحدث عن أهمية الصورة المرئية في تشكيل وعي المجتمع، لابد أن نحدد أولا آليات الاشتغال البصري، التي تصرف الخطاب، وتتحدد في آليتين:
1- الآلية النـفـسية.
2- الآلية السوسيولوجية.
فالآلة النفسية ترصد حاجيات المتلقي غير المشبعة، مكبوتاته الدفينة، وسلوكاته التي تدخل في نطاق العرف الاجتماعي، فتقوم الصورة على بعد نفسي يلبي الحاجيات المفترضة لدى المتلقي. أما الآلية السوسيولوجية، فهي متضمنة في الخطاب بعد معرفة ثقافة المجتمع، أي أن هذه الآلية تراعي كل ما هو رمزي في المجتمع كما تراعي الفئة الأكثر عددا في – فئة الشباب- كما تستحضر هذه الآلية مختلف الظواهر السوسيولوجية والتحولات التي تمكنها من التغلغل في العقول وتشكيل الوعي أو تكريسه.
إن تلقي الصورة، يمر بالضرورة عبر تحديد مستويين، سواء كانت الصورة متحركة أو ثابتة، أولاها عملية التعيين Denataion ، ذلك أن الصورة من خلال هذا المستوى لا تدل على ذاتها كشيء من العالم بل تتكئ على المستوى الأول من الدلالة نسميه التعيين، أو المستوى الوصفي الرجعي لدلالته على شيء آخر، وفي ثنايا مدونات هذا المستوى يستتر المعنى السردي الذي هو مستوى ثان من مستويات قراءة الصورة عامة، وهو يعني السيطرة على معنى الصورة والإمساك بها، بحيث تتعقد عملية فهم النص المصور بتحول المسموع إلى مرئي، وهو ما يتيح القيام بعمليات تفكيكية وتركيبية في نفس الوقت، وحسب مارسيلو جيرار ماريفون Merselot Gerard Mary Vonne فإن عملية فهم الصورة تتم بإعطاء معنى لنص مقروء أو مسموع (4).
وبالنظر إلى أن الصورة المرئية لا تخلو أبدا من بعد إيديولوجي يغنيها ويبعث فيه روح الحياة، فإنها مرتبطة بمن يمتلك الرأسمال الرمزي في المجتمع وهو الذي يتحول إلى سلعة معرفية تتيح له المشاركة في تنظيم المجال حيث بنية العلاقات التي تشكل فضاءه تتحكم في الصورة التي تتخذها علاقات التفاعل الظاهرية (5) وحتى في خبرة الأعضاء، وبالتالي فإن تداول الصورة، والتحكم فيها يدخل في دائرة التوزيع اللا متكافئ للرأسمال الثقافي حسب بيير بورديو (6) وذلك في نظام اجتماعي، قائم بما يعني أن إنتاج الصورة يدخل في نطاق هذه المقولة، أي هيمنة الأقوياء على الوعي الذي تبشر به الصورة.
صورة المعلم في الدرامـا التلفـزيونيـة:
لم تتناول الدراما التلفزيونية المعلم إلا لماما بسبب ضعف الإنتاج وقلته لأسباب ذاتية مرتبطة بالعاملين في الميدان وأخرى موضوعية مرتبطة بغياب إرادة سياسية حقيقية للرفع من مستوى الدراما التلفزيونية كما وكيفا.
إن صورة المعلم في الإعلام المرئي المغربي – السينما والتلفزيون- يطبعها كثير من التشويه وهي صورة ناتجة أولا عن جهل العاملين بالميدان للمشاكل الحقيقية التي يتخبط فيها المعلم والشروط العامة التي يعمل في إطارها، وهي ناتجة ثانيا عن ضيق الأفق الدرامي لهؤلاء الذين يتناولون حياة المعلمين فضلا عن فقرهم الثقافي والمعرفي الذي ينعكس حتما على أعمالهم الفنية بالسلب ومن جهة ثالثة فإن الأمر يعود إلى بعض الجهات النافذة في الدولة والتي تسير دواليب الإعلام المرئي، تصر على الإساءة لهذه الفئة من المجتمع قصد تصفية حساباتها السياسية معها. لنأخذ مثلا " ابن الثلج " وهو فيلم تلفزيوني أخرجه محمد غرملي لصالح القناة الأولى وقدمته هذه الأخيرة في بحر سنة 2002 ثم أعادت بثه شهورا بعد ذلك، لقد برع هذا العمل في تشويه صورة المعلم والتنقيص من نبل رسالته وتقديم شخصيته للمشاهد بصورة سلبية شكلا ومضمونا، وإذا كان الهندام في رأي الكثيرين مدخلا لتحديد هوية الإنسان وشخصيته المتجلية في سلوكه ومزاجه ووضعه الاجتماعي، فإن هذا الرأي يتطابق تماما مع شخصية المعلم التي ظهرت في الفيلم، ظهر المعلم مرتديا بذلة سوداء قديمة، ضيقة، لا تنتمي إلى عصر الموضة، إن هذه الصورة تدل على أن المعلم فقير وكائن متخلف لا يساير الموضة في لباسه، وفي مشهد آخر، يمتنع المعلم الجلوس في أحد المقاهي صحبة البطلة الغنية " ريم " إلا بعد أن تعهدت بدفع ثمن المشروبات، وليس خافيا أن الوعي الجمعي المغربي يحتفظ بنكت كثيرة تحكي عن بخل المعلم وجحوده وتدهور وضعه المادي، وما هذا المشهد، إلا ترجمة أمينة لهذا الوعي الذي ساهم الإعلام المرئي كثيرا في تشكيله، وبتتالي مشاهد الفيلم يتبين أن رجل التعليم الابتدائي لا يتحقق لديه الرضى المهني بسبب هزال الأجرة والظروف القاسية التي يعمل بها خصوصا بالعالم القروي سواء في الصحراء أو بالجبل أو في البوادي السهلية حيث تغيب الكهربة والماء الصالح للشرب والسكن اللائق، وترجمة اللارضى المهني عند المعلم تكمن في زواجه من ريم الثرية المعجبة بأخلاقه وشهامته حيث تخلى عن المهنة التي يقول الجميع إنها مهنة شريفة، وما يؤكد هذه الفكرة، ما كشف عنه بحث ميداني أنجزه أحد العاملين بالتعليم الأساسي في البادية وهو الأستاذ مصطفى السعيدي تقدم به لنيل الإجازة في علم الاجتماع أن من أسباب اللارضى المهني لدى المعلمين خصوصا العاملين منهم بالعالم القروي، النظرة الدونية التي يحتفظ بها المجتمع لهم (7) بحيث لا يجب أن تصيبنا الدهشة لما نعلم – حسب نفس الدراسة- أن 73,33 % من المعلمين الذين استجوبهم الباحث قد عبروا عن أن مهنة التعليم لم تكن على رأس المهن التي كانوا يرغبون فيها.
وقد زاد "ابن الثلج " من تشويه صورة هذه الفئة الاجتماعية، حيث ظهر المعلم في مشاهد متكررة يتحدث بجمل عربية فصيحة في حواره مع أفراد أسرة غنية، أي في وسط " راق "، يلوك أعضاؤه أثناء الحديث، بين الفينة والأخرى جملا باللغة الفرنسية، أما الدلالة الناتجة عن هذه الصورة فتكمن في أن المعلم كائن بعيد عن روح العصر من خلال نوعية لباسه أولا، ومن خلال اللغة – التي هي وعاء للفكر- ثانيا، والمعادلة الدلالية التي تخرج بها معادلة واضحة تماما:
تداول اللغة العربية = تأشيرة الولوج إلى عالم الماضي المتخلف المنغلق.
فالمعلم ينتمي إلى هذا العالم، أي إلى كون قيمي – بلغة كريماس مختلف عن الكون القيمي للوسط المتحضر الذي يتمثل في العائلة الغنية العصرية التي تسكن في فيلا وتتداول اللغة الفرنسية في حديثها، وتلك إحالة على الغنى المادي والمعرفي والتفتح في دلالته الأخلاقية الذي سمح لريم أن تصطحب معها شابا غريبا وتقدمه لوالدها في منزل العائلة.
تداول الفرنسية = عالم متفتح، غني ماديا ومعرفيا.
- ويمكننا أن نتناول هذا العمل في مستواه السطحي، أي في مستواه التركيبي عن طريق استحضار الأدوات الموظفة في إنجازه من حيث بناء القصة وبناء السيناريو، وهذا التناول، جعلنا نقف عند مجموعة من نطاق الضعف الفادحة في البناء الدرامي ككل، ذلك أن القصة التي هي الخطوة الأولى على درب إنجاز العمل التلفزيوني، جاءت مفككة العناصر مشوشة الأفكار في جانبها السيكولوجي والسلوكي المتعلقين بالشخصيات التي غابت عنها الدوافع المنطقية والتبريرات العملية لتحركاتها في سياق القصة، وكان ذلك مؤشرا على أن مؤلف القصة نأى عن البحث الدقيق في أبعاد الشخصيات النفسية والاجتماعية والثقافية التي تبرر سلوكاتها وتدفع بالتنامي الدرامي إلى أقصى مداه، فكيف نفسر التحول الفجائي للشريك من المعارضة الشرسة لزواج ريم من المعلم إلى مباركته مباركة مطلقة بعد ذلك دون أن يحدث ما يبرر هذا التحول تبريرا مقبولا ومنطقيا في سياق القصة ؟
- لقد كان الحوار في معظم المشاهد مفتقدا إلى الإيحاء
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |